فضل لا إله إلا الله
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك.
وأشهد أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله خير نبي أرسله أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى وأحثكم على ذكره.
أما بعد فيا عباد الله،
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)، وقال عز وجل: (وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه: “الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق”، في هذا الحديث نبه صلى الله عليه وسلم على أن أفضل شعب الإيمان على الإطلاق التوحيد المتعين على كل أحد والذي لا يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته، وروى الإمام السيوطي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى في الحديث القدسي: “لا إله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي”،
أيها الإخوة الكرام،كنت وعدتكم في خطبة ماضية بتخصيص خطبة للكلام عن أعلى شعب الإيمان المتمثلة في قول: لا إله إلا الله، هذه الشعبة التي يغفل عنها الكثير من الناس على أهميتها في ترسيخ الإيمان في القلوب وأهميتها في تحصيل الكثير من الفوائد وعظيم الدرجات دنيا وأخرى، والذي دعاني بقوة إلى تخصيص خطبة لهذه الشعبة هو غفلة الكثيرين عن أهميتها وفضلها، وأيضا للتنبيه عن بعض معانيها الدقيقة التي تغيب عن الأفهام ولا يدركها إلا أولو الألباب، وإن المتأمل في حال الكثير من الناس يجدهم يهدرون أوقاتهم سدى ويضيعونها في القيل والقال والجلوس في المقاهي وأمام الشاشة والتلفاز وأمام مواقع الشبكة العنكبوتية وغيرها، وقد لا يحركون ألسنتهم بالمرة بقول لا إله إلا الله في اليوم والليلة، غافلين كل الغفلة عن أفضالها العديدة والدرجات العليا التي يحصلها أهل لا إله إلا الله، أحب من كل واحد منكم أن يسأل نفسه كم يردد من قول لا إله إلا الله في اليوم والليلة؟ وهل هي حاضرة في حياته أم غائبة بالكلية؟ روى ابن حبان في الحديث القدسي عنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال قَالَ مُوسَى يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ قَالَ قُلْ يَا مُوسَى لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ،قَالَ: كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا، قَالَ قُلْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، قَالَ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ قَالَ يَا مُوسَى لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وروى أصحاب السنن عن أبي ذر، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم – قال من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثانٍ رجله قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قديرٌ -عشرٌ مرات – كتب له عشرٌ حسناتٍ ومحي عنه عشرٌ سيئاتٍ، ورفع له عشرٌ درجاتٍ، وكان يومه ذلك في حرزٍ من كل مكروهٍ، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنبٍ أن يدركه في ذلك اليوم، إلا الشرك بالله، وروى ابن أبي شيبة عن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي عِلْمًا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ،قَالَ إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً فَإِنَّهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ هِيَ قَالَ هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ.
فقول لا إله إلا الله تعد باب الدخول إلى الله، وبها حقنت الدماء وعصمت الأموال إلا بحقها، وهي الكلمة العظيمة كلمة التوحيد ، وهي أصل الدين وبذرته التي منها نمت أغصان شجرته، فمنها نشأ الإسلام وبعدها أنزلت الأحكام من الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر العبادات والإلزام، والنوافل بالتمام. قال بعض العلماء: ذكرت هذه الكلمة –يعني لا إله إلا الله- في القرآن في سبعة وثلاثين موضعا ولها أربعة وعشرون اسما وكل اسم من هذه الأسماء له دليله من آي القرآن الكريم، ومن أسمائها: كلمة التوحيد، وكلمة الإخلاص، وكلمة الإحسان، ودعوة الحق، وكلمة العدل، والطيب من القول، والكلمة الطيبة، والقول الثابت، وكلمة التقوى، والكلمة الباقية، وكلمة الله العليا، والمثل الأعلى، والكلمة السواء، وكلمة النجاة، وكلمة العهد، وكلمة الاستقامة، مقاليد السموات والأرض، والقول السديد، والبر، وكلمة الدين، وكلمة الصراط، وكلمة الحق، والعروة الوثقى، وكلمة الصدق، والمعروف، والأحاديث في فضل قول لا إله إلا الله وحده لاشريك له كثيرة مشهورة، ويكفي الاطلاع على ما أورده السادة العلماء، وخاصة المحدثون منهم في باب فضل قول لا إله إلا الله، وباب تعظيم قول لا إله إلا الله وعموما أبواب الإيمان والتوحيد، وغيرها.
أيها الإخوة الكرام، وبالنسبة لمعناها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: معنى لا إله إلا الله أي لا نافع ولا ضار ولا معز ولا مذل ولا معطي ولا مانع إلا الله، وقال بعض العلماء الربانيين في تفسيرها: تفسيرها لا معبود بحق إلا الله، وقال أحدهم في معناها: اعلم أن لا إله إلا الله واجب الوجود لذاته، الفرد، الواحد، الملك، القادر، الحي، القيوم، القديم، الأزلي، الدائم، الأبدي، الذي هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تقدس وتعالى عن الشبيه والنظير، عن الشريك والوزير، لا يحده الزمان ولا يشغله شأن عن شأن، ولا تحيط به الجهات، ولا تعتريه الحادثات، له الغنى المطلق عن كل شيء بكل معنى ومن كل وجه، وكل ما سواه مفتقر إليه فقرا لا يتصور عنه انفكاك، خلق الخلق أجمعين، وخلق أعمالهم خيرها وشرها، نفعها وضرها، فتبارك الله أحسن الخالقين، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، خلقهم ورزقهم وأنزل الكتب وبعث الرسل لهدايتهم لطفا بهم، وتفضلا عليهم، يجب توحيده وطاعته على عباده بإيجابه، ولا يجب عليه لأحد شيء، لأنه المالك لكل شيء، المستولي على كل شيء، فليس لأحد معه ملك، ولا لأحد عنده حق، وعد المحسنين بثوابه فضلا، وتوعد المسيئين بعقابه عدلا، فالإله هو الجامع لجميع هذه الصفات، وهو الله الذي لا إله إلا هو، وعلى التحقيق فإن جميع القرآن إنما هو توحيد لله سبحانه وتعالى إما تصريحا وإما تلويحا، والكل رمز إلى توحيد الله تعالى وصمديته وعظمته المطلقة، وينبغي التنبيه فقط أنه عند النطق بكلمة التوحيد يندب تطويل المد في كلمة لا من قولنا لا إ له إلا الله، وأن نستحضر في أذهاننا جميع الأضداد المذكورة آنفا، وننفيها ونعقب بعد ذلك بقول:إلا الله، فإن ذلك أقرب إلى الإخلاص والكمال وتثبيت الإيمان.
أيها الإخوة الكرام، روى الإمام أحمد وغيره عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة وفي بعض الروايات زيادة: قيل: يا رسول الله، وما إخلاصها؟ قال:أن تحجزه عن محارم الله، وروى البيهقي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا لا إله إلا الله ردت عليهم وقال الله كذبتم.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد فيا عباد الله،
قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الحاكم عن أبي هريرة:”جددوا إيمانكم أكثروا من قول لا إ له إلا الله” ومعنى ذلك أن قول لا إله إلا الله والإكثار منها سبب لتجديد الإيمان، وروى الإمام مَالكٌ في الموطّأ وغَيرُه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: أَفضَلُ مَا قُلتُه أنَا والنّبِيُّونَ مِن قَبلِي لا إلهَ إلا الله وحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ وفي لفظٍ أَفضَلُ مَا قُلتُه أنَا والنّبِيُّونَ مِن قَبلِي لا إلهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شَريكَ لهُ لهُ المُلكُ ولهُ الحَمدُ وهوَ عَلى كُلِّ شَىءٍ قَدِير، ففِي هَذا الحديثِ الصّحيحِ دَليلٌ واضِحٌ على أنّ لا إلهَ إلا اللهُ أفضَلُ مَا يُقالُ أي أَفضَلُ ما يُمتَدحُ بهِ الرّبُّ تَباركَ وتَعالى، وأَفضَلُ مَا يُمَجَّدُ بهِ الرّبُّ تبَاركَ وتَعالى في دار الدنيا،
أيها الإخوة الكرام في ختام هذه الخطبة أحب أن تمعنوا النظر في بعض الأحاديث الواردة في فضل لا إله إلا الله وكيف أنها ستكون سببا لنجاة من قالها مرة مخلصا من قلبه، فكيف بمن جعلها له ديدنا واتخذها زادا ورفيقا حتى أصبح من أهلها،أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر- السجل الكتاب الكبير- ثم يقول أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب، فيقول أفلك عذر فيقول لا يا رب، فيقول بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله- والبطاقة رقعة صغيرة وهي ما تجعل في طي الثوب يكتب فيها ثمنه- فيقول احضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال إنك لا تظلم قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات- الطيش الخفة- وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء، وروى ابن حبان والبيهقي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ ، وَكَأَنِّي بِهِمْ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ ، وَيَقُولُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، أحب أن تدققوا النظر في هذه الكلمات:ليس على أهل لا إله إلا الله، معنى ذلك أن لا إله إلا الله صار لها أهلون وأحبابا وأقاربا، فأكثروا من قولها حتى تصيروا من أهلها والحمد لله رب العالمين.