خطبة عيد الأضحى المبارك 1433ه.
الخطبة الأولى:
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ،
الله أكبر ما ازدلف الحجيج إلى بيت الله الحرام، وجددوا البيعة عند الزمزم والمقام، واستغفروا مولاهم الكريم التواب الرحيم الرحمان.
الله أكبر ما أحدقوا بالبيت الحرام طائفين لائذين ملتجئين.
الله أكبر ما ارتفعت أكف الذّل والافتقار والتضرع إلى سماء الرحمة الإلهية.
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى وأحثكم على ذكره.
أما بعد فياعباد الله،
يقول الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم أبي الأنبياء: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين، رب هب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام حليم، فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام إني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تومر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم، وتركنا عليه في الآخرين، سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المومنين).
أيها الإخوة الكرام، هذا يوم عظيم من أيام الإسلام، يوم عيد الأضحى المبارك، جعله المولى الكريم يعقب أداء ركن عظيم من أركان الإسلام، وهو حج بيت الله الحرام، ويأتي في خاتمة العشر الأوائل العظيمة من ذي الحجة التي جمعت أياما مباركة يكون فيها إحرام الحجيج ودخولهم مكة المكرمة وقيامهم بأعمال الطواف المختلفة، ودفعهم يوم التروية إلى منى، وشهودهم يوم عرفة العظيم، وينحرون الأضاحي والهدي يوم العيد، ويوم العيد أيها الإخوة والأخوات يذكرنا بالإيمان والإخلاص الكاملين، والطاعة المطلقة، والتضحية التي لم تعرف التردد لأبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام، ولعشيرته المؤمنة الصادقة، فقد أراه الله في المنام أنه يذبح ابنه سيدنا إسماعيل الذي لم يرزق به إلا بعد أن كبرت سنه وانحنى ظهره، فلم يكن منه إلا أن خضع واستسلم، ولم تتردد زوجته سيدتنا هاجر ولم تجزع، ورد الابن البار المطيع: ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء اللهُ من الصابرين.
ولعظم ما وقع في حياتهما من استسلام وانقياد لأوامر الله تعالى خلد الله ذكرهم في الآخرين، بجعل جملة من أعمالهم الصالحة عبادة لنا نتقرب بها إليه في هذه الأيام الفاضلة، بدءا من السعي بين الصفا والمروة سبع مرات اقتداء بما وقع لهاجر عندما عطش ابنها إسماعيل عليه السلام، فأكرمهم الله ببئر زمزم، الذي يشرب المسلمون من بركته إلى اليوم، مرورا بما وقع له من أمر ذبح ابنه وافتدائه بكبش عظيم من الجنة، فصارت لنا سنة النحر في اليوم الذي هم فيه سيدنا إبراهيم بذبح ابنه تنفيذا للأمر الإلهي، ودعاء التسمية عند الذبح الذي سن إبان هذه الواقعة العظيمة، ورمي الجمرات اقتداء به عندما رمى الشيطان اللعين بالحصى، وقد أتاه يسول له كي يرحم ابنه ولا ينفذ أمر ربه.
وأورد الكثير من حفاظ الحديث أن سيدنا إسماعيل قال لوالده عندما هم بذبحه: يا أبت شد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ثيابك لئلا ينضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون الموت أهون علي، واقذفني للوجه لئلا تنظر إلى وجهي فترحمني ولئلا أنظر إلى الشفرة فأجزع، وإذا أتيت إلى أمي فاقرأها مني السلام.
الله أكبر، الله أكبر، الله أ كبر،
أيها الإخوة الكرام، هذا يوم تهليل وتكبير وتحميد، هذا يوم إظهار الشعائر بذبح الأضاحي تعظيما لشعائر الله، هذه الأيام أيام تواصل وحب وعطاء، أيام تضحية ومودة أسرية، فيها توصل الأرحام، ويتبدل الخصام إخاء بين المسلمين، والحكمة من تشريعها فيما ذكره العلماء هو شكر الله على نعمه المتعددة وعلى بقاء الإنسان من عام لعام، ولتكفير السيئات عنا، وللعيد في الإسلام عدة معان منها المعنى النفسي الذي يعني كسر الانطباع الذي تحدثه الأيام الرتيبة في نفس الإنسان لتنطلق بعد العيد بنفس جديد، وله معناه الزمني الذي يعني هذه القطعة من الزمن المخصصة لنسيان الهموم واستجمام القوى الجاهدة في الحياة، وله معناه الاجتماعي الذي يعني كونه يوم الأطفال يفيض عليهم بالمرح والسعادة، ويوم الفقراء يلقاهم الأغنياء باليسر والسعة ويعينوهم ويغنوهم عن السؤال في هذه الأيام، ويوم الأرحام يجمعها على البر والتقوى، ويوم الأصدقاء يجدد فيهم أواصر القرب ودواعي الحب ويوم النفوس الكريمة تتناسى أضغانها فتجتمع بعد افتراق وتتصافى بعد كدر وتتصافح بعد انقباض، فلا تشرق شمس العيد إلا والبسمة تعلو كل الشفاه والبهجة تغمر كل الأفئدة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ،
الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، فياعباد الله،
يقول الله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله”، أي من أعلام الدين)، وليست الأضحية بهذا المعنى مجرد دم يراق، إنما هي رمز لكل تضحية لله مهما كان الثمن غالياً وعزيزاً،
والأضحية أيها الأخوة الكرام، سنة مؤكدة غير واجبة، ويكره تركها للقادر عليها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه: “من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا”، والقادر عليها أيها الإخوة والأخوات هو الذي لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري في عامه، ولو استطاع أن يستدين استدان ولكن بالطرق الحلال، ولنعلم جميعا أن سيدنا أبو بكر و سيدنا عمر رضي الله عنهما فيما أورده الإمام البيهقي وغيره، وهم من الخلفاء الراشدين المهديين كانا لا يضحيان مخافة أن ترى الناس ذلك واجبا.
والأضحية بهذا قربة إلى الله وعبادة، ولكي تكون مقبولة عند الله يجب أن يتوفر فيها الإخلاص لله تعالى، وتصحيح النية إذ لا يجوز أن تكون مباهاةً وافتخارا على الناس والجيران، فكل مضح ينبغي أن ينوي التقرب إلى الله تعالى بذبح أضحيته، وحتى عندما يختار السمينة الحسنة ينبغي أن يكون اختياره نابعا من نية التقرب بالأفضل الأحسن، والسمينة أفضل من غير السمينة، لقول الله عز وجل: “ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”، قال ابن عباس رضي الله عنها:”تعظيمها استسمانها واستحسانها، ويقول أيضا سبحانه وتعالى: “إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ”، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجة والترمذي عن أمنا عائشة رضي الله عنها:”ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله تعالى من إراقة الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا”، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم ما هذه الأضاحي! قال: (سنة أبيكم إبراهيم) قالوا: مالنا منها! قال: (بكل شعرة حسنة) قالوا فالصوف! قال: (بكل شعرة من الصوف حسنة).
ويشترط لصحة الأضحية سلامة الحيوان المضحى به من العيوب الفاحشة، وهي أربعة: فلا تجوز العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها،والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء الهزيلة التي لاتنقي أي لا نقي لها، أي لا مخ في عظامها، بمعنى أن الأفضل ما كان كامل الخلقة دون أي نقص فيه، ولا يجزئ من الإبل إلا ما تم له خمس سنين، ومن البقر ما تم له ثلاث سنين، ومن المعز ما تم له سنة، ومن الضأن ما تم له سنة، وتجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، والشاة تجزئ عن الرجل وأهل بيته، ولا يبيع منها شيئاً، ولا يجوز إعطاء الجزار أجرته منها، ولا يجزئ فيها دفع القيمة، والأبيض أفضل من الأسود، وقد يسأل بعض الناس على الاشتراك في ثمن الأضحية للاستفادة من حصة من لحمها، أقول إن ذلك يكره في مذهبنا المالكي الذي نقتدي به، وأما أن يشتري الرجل الواحد الأضحية ويشرك في ثوابها غيره، قبل أن يذبحها فذلك جائز بشروط أن يكون المشرك قريبا له وينفق عليه ويسكن معه.
واعلموا أن وقت ذبح الأضاحي بعد الانتهاء من صلاة العيد، ويمتد إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، ومن ذبح قبل الصلاة فهي شاة لحم وليست بأضحية، ولم يصب سنة المسلمين، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه:”إن أول ما نبدأ به يومنا هذا: أن نصلي، ثم نرجع، فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء”
ومن السنة أن يذبح المسلم أضحيته بيده فإن كان لا يحسن جاز له أن ينيب عنه، ولكن عليه أن يشاهدها، روى الإمام البزار عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها أن يُغفر لك ما سلف من ذنوبك ـ قالت: يارسول الله ! ألنا خاصة أهلَ البيت أو لنا وللمسلمين! قال: بل لنا وللمسلمين)، وفي رواية الحاكم في المستدرك عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه وقولي:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين”،
ويستحب في مذهبنا المالكي أن يجمع المضحي بين الأكل من الأضحية والتصدق والإهداء، وليس في الجمع بين الأمور الثلاثة في المشهور عند المالكية حد مقدر في ذلك بثلث ولا غيره، يقول صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه: “كلوا وأطعموا واذخروا” وفي رواية: “كلوا واذخروا وتصدقوا”، والحمد لله رب العالمين،
وأكثروا من الصلاة والتسليم على ملاذ الورى وخير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وامتثلوا قول ربنا عز وجل : (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)،
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد،
وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين سيدنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر صحابة رسول الله أجمعين، وعن آل بيت رسول الله أجمعين، اللهم أكرمنا بمحبتهم واقتفاء نهجهم، واجزهم عنا وعن الإسلام أحسن الجزاء، اللهم انصر مولانا أمير المؤمنين محمد السادس، اللهم يارب وفقه إلى كل خير واحفظه من كل شر، وكلل يارب أعماله بالنجاح، وارزقه السلامة في الحل والترحال،وبارك اللهم في تحركاته وأعماله التنموية، وهيأ له بطانة الخير التي تعينه على صلاح البلاد والعباد، ومتعه يارب بالصحة والسلامة والعافية، وأعد عليه مناسبة عيد الأضحى أعواما عديدة باليمن والخير والهناء، واحفظه اللهم في ولي عهده مولاي الحسن، وشد أزره بأخيه مولاي رشيد، واحفظ يارب سائر أسرته الملكية الشريفة، إنك سميع قريب مجيب،
اللهم آمننا في أوطاننا، وأدم علينا نعمة الأمن والأمان والوحدة والتعاون والتآزر والتكافل وعرفنا نعمك بدوامها علينا ولا تعرفنا إياها بزوالها، اللهم أغث عبادك وبلادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحيي بلك الميت،
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أمن الحجاج في سفرهم وتقبل منهم جميع الأعمال وردهم إلينا سالمين غانمين،
اللهم تقبل منا هذه النسك والقربات والأضاحي على التمام والكمال، وتقبل منا صوفها ودمها واجعله يارب في الميزان المقبول عندك،
اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار،
اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.