اغتنام ما تبقى من أيام العشر المباركة وأعمال يوم الأضحى

بسم الله الرحمان الرحيم

الخطبة الأولى:

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى وأحثكم على ذكره.

أما بعد فيا عباد الله، نعيش في هذه الأيام، الأيام العشرة المباركة، فطوبى لمن تعرض لنفحاتها وأعطاها حقها وعمر أوقاتها بطاعة مولاه وذكر خالقه عز وجل، ومن فاته القيام بحقها فيما فات منها وغفل عن فضائلها، أقول له: إنها لازالت لم تختتم بعد، وإنما الأعمال بالخواتيم كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نعم أيها الإخوة والأخوات إنها لم تختتم بعد، ونستطيع بادئ ذي بدء أن نعلن توبتنا إلى الله عز وجل توبة نصوحا ونجددها في كل وقت وحين، ونعزم عزما صادقا على عدم مقارفة الذنوب والمعاصي الصغيرة والكبيرة، نستطيع أيها الإخوة والأخوات في هذه الأيام المتبقية وكسبا للمزيد من الأجر أن نحافظ على الصلوات المفروضة والمسنونة في أوقاتها في الليل والنهار، نستطيع كذلك أن نذكر مولانا عز وجل ونكثر من ذكره في جميع أحوالنا وأحاييننا، وبالأخص الإكثار من التكبير، نستطيع أيضا أن نفتح القرآن الكريم ونقرأه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، نستطيع أيها الإخوة والأخوات أن نتصدق على قدر طاقتنا على المسكين والأرملة والضعيف والمعوز والمريض والمقعد، وندخل عليهم الفرحة في هذه الأيام، نستطيع أيضا في هذه الأيام أن ننوي بشراء الأضحية التقرب بها إلى الله عز وجل، ولا نقصد بذلك الأكل والشرب، والتباهي والتفاضل بين الجيران وأهل الحي بقولنا:كبشنا أفضل من كبشكم، وأسمن وأغلى، فلا رياء ولا سمعة ولا تفاخر فيما يتقرب به إلى الله، نستطيع كذلك أن نصوم يوم عرفة ونستحضر عظمته من بدايته إلى نهايته، روى الإمام مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال:سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة، فقال:” يكفر السنة الماضية والباقية”، وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال: النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة”، وبالمناسبة يسأل بعض الناس عن يوم عرفة، هل هو يوم وقوف الحجيج بجبل عرفة أم هو غير ذلك؟ وما العمل خاصة في مثل إعلان البلاد المشرقية بداية شهر ذي الحجة قبلنا؟ أقول في الجواب: بداية لاعلاقة بين يوم عرفة أي زمان عرفة، بوقوف الحجاج بجبل عرفة، أي المكان؟ يوم عرفة أيها الإخوة والأخوات هو اليوم التاسع من ذي الحجة حسب رؤية الهلال في البلد الذي تقيم به، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تلتفت لمن أعلن رؤية الشهر قبلك أو بعدك، غير أنه لابد من بيان أن رؤية المغاربة بفضل الله تعالى تبقى الأصح حسب العلماء وعلماء الفلك في العالم على وجه الخصوص حتى نزيل الإشكال من أصله، لأنه فلكيا لا يمكن لأهل المشرق أن يبصروا الهلال قبل أهل المغرب، وهذه الحقيقة تحدث عنها العلماء قديما وأكدها العلم الحديث بالحسابات الفلكية، التي أصبحت أحد العلوم المعاصرة، ووصلت إلى دقة عالية، والمعروف فلكيا أننا غربا والمغيب يتأخر عندنا، وعليه فلا يمكن بحال من الأحوال أن تتقدم الدول الشرقية على الدول الغربية في الرؤية؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الصيام:” فإنه متى رؤي في المشرق وجب أن يرى في المغرب ولا ينعكس… فإذا كان قد رؤي بالمشرق ازداد بالمغرب نورا وبعدا عن الشمس وشعاعها وقت غروبها، فيكون أحق بالرؤية، وليس كذلك إذا رؤي بالمغرب، لأنه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندهم، فازداد بعدا وضوء، ولما غربت بالمشرق كان قريبا منها؛ ثم إنه لما رؤي بالمغرب كان قد غرب عن أهل المشرق، فهذا أمر محسوس في غروب الشمس والهلال وسائر الكواكب”.

أيها الإخوة الكرام، وفي اليوم العاشر من ذي الحجة، أي في يوم العيد ماذا يمكن أن نفعل في هذا اليوم المبارك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن:” أفضل الأيام عند الله يوم النحر”؟، أول شيء يمكن أن يفعله المسلم هو التنظف والاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب، روى الإمام البيهقي أن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان يلبس للعيد أجمل ثيابه”، وقال الإمام مالك رحمه الله:” سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد” طبعا للرجال، أما المرأة فتخرج لصلاة العيد غير متجملة ولا متطيبة ولا متبرجة، وثاني شيء يمكن أن يفعله المسلم في هذا اليوم هو الاشتغال بالتكبير، أي قول الله أكبر، لقول الله تبارك وتعالى:”ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون”، والأمر بالتكبير مطلق من أول ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق، وفي هذا المقام ينبغي التذكير بالتكبير الذي يقع عقب الفرائض، فإنه يبتدأ من صلاة ظهر يوم العيد إلى فجر اليوم الرابع، وثالث شيء ينبغي القيام به هو الخروج إلى المصلى، فتذهب من طريق وترجع من آخر، لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق الذي ذهب فيه. ورابع شيء، هو تأدية الصلاة مع المسلمين في مصلى العيد، وهي سنة مؤكدة، ويندب للمرأة والصبي أن يصليها، ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام يستحب له أن يصليها، ويكره التنفل قبلها وبعدها إن وقعت الصلاة في المصلى، وذلك لما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم الأضحى فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما”، وأما إن وقعت الصلاة في المسجد فلا يكره التنفل قبلها ولا بعدها، وخامس شيء أيها الإخوة والأخوات هو شهود خطبة العيد، وذبح الإمام لأضحيته، ولا تذبحوا قبل ذبح إمام المصلى، فعن الحسن البصري رحمه الله، أن ناسا ذبحوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوها، وفيهم نزل قول الله تعالى:”يا أيها الذين أمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله”، ووقت الذبح يستمر لأربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام التشريق، وسادس شيء، هو الأكل بعد العودة من الصلاة، روى الإمام الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم النحر لا يأكل حتى يرجع فيأكل من نسيكته، وآخر شيء يعد من آداب هذا اليوم المبارك هو التهنئة، وذلك بأن يهنئ المسلمون بعضهم البعض، أسأل الله تعالى أن يتقبل منا جميعا أمين أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

خطبة الجمعة 5 ذو الحجة 1439 موافق17 غشت 2018 للدكتور مولاي عبد المغيث بصير

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *