إصلاح ذات البين -3-
الحمد لله، الحمد لله الذي أمر بإصلاح ذات البين، ونهى عن الإفساد بين المجتمعين، فقال وهو أصدق القائلين: “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما،
فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا يبينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون”، نحمده سبحانه وتعالى حمد الشاكرين، ونسأله التوفيق والسداد في كل حين،
ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، القائل في كتابه المبين: “لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نوتيه أجرا عظيما”، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المصطفى الكريم كان يحث على الإصلاح بين المتخاصمين، القائل: “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين” صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات، في الجمع الماضية تكلمنا عن فضل إصلاح ذات البين التي حث عليها ديننا الإسلامي للحفاظ على لحمة المسلمين، وخصصنا الذكر على الإصلاح بين الزوجين، حفاظا على الأسرة وسلامة المجتمع، وتوفيرا لحياة آمنة للأولاد واستقرار للأسرة، وتأصيل للعلاقة العائلية والجو الأسري بوجه عام، واليوم أيها الإخوة المؤمنون، نلقي نظرة عن كيفية الإصلاح بين الناس، وعن فقه الإصلاح بصفة عامة فنقول وبالله التوفيق:
اعلم أخي المؤمن أن إصلاح ذات البين عزيمة راشدة ونية خيرة، والأمة تحتاج إلى إصلاح يدخل الرضا على المتخاصمين، ويعيد الوئام إلى المتنازعين، إصلاح تسكن به النفوس وتأتلف به القلوب، ولا يقوم به إلا من خصه الله بشرف العلم، وكريم الأخلاق، وحصافة الرأي، وللإصلاح فقه ومسالك دلت عليها نصوص الشرع وسار عليها المصلحون المخلصون، منها:
أولا: استحضار النية الصالحة وابتغاء مرضاة الله عز وجل: قال تعالى: “ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله نؤتيه أجرا عظيما”؛
ثانيا: تجنب الأهواء الشخصية والمنافع الدنيوية فهي مما يعيق التوفيق في تحقيق الهدف المنشود؛
ثالثا: لزوم العدل والتقوى في الصلح، لأن الصلح إذا صدر عن هيئة اجتماعية معروفة بالعدالة والتَّقوى وجب على الجميع الالتزام به والتقيُّد بأحكامه إذعاناً للحقِّ وإرضاءً للضمائر الحيَّة، قال تعالى: “فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا”؛
رابعا: أن يكون المصلح عاقلا حكيما منصفاً في إيصال الحق لذويه، مدركا للأمور متمتعا بسعة الصدر وبُعد النظر مضيقا شقَّة الخلاف والعداوة جاعلا محلها ثوابث المحبَّة والوئام؛
خامسا: سلوك مسلك السر والنجوى ، ولئن كان كثير من النجوى مذموماً إلا أنه في هذا الموطن محمود، قال تعالى: “لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاح بين الناس”؛
سادسا: الحذر من فشو الأحاديث وتسرب الأخبار مما يفسد النتائج المرجوة من الإصلاح، لأن من الناس من يتأذى من نشر مشاكله أمام الناس، وكلما ضاق نطاق الخلاف كان من السهل القضاء عليه،
سابعا: اختيار الوقت المناسب للصلح بين المتخاصمين حتى يؤتي الصلح ثماره ويكون أوقع في النفوس فلا يباشره في وقت اشتداد الخصومة أو الغضب بل يتحين الفرصة المناسبة بعد هدوء الأوضاع وارتخاء النفوس، لتتقبل الرجوع إلى الحق والتمسك به،
ثامنا: أن يكون الصلح مبنيا على علم شرعي يخرج المتخاصمين من الشقاق إلى الألفة ومن البغضاء إلى المحبة،
تاسعا: التلطف في العبارة واختيار أحسن الكلم في الصلح كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما جَاءَ لزيارة بنته فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عَمِّك؟ وفيه دليل على الاستعطاف بذكر القرابة؛
عاشرا: استحباب الرفق في الصلح وترك المعاتبة إبقاء للمودة، لأن العتاب يجلب الحقد ويوغر الصدور، وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: “رد الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن”؛
الحادي عشر: أن يبدأ المصلح عمله بالجلسات الفردية بين المتخاصمين لتليين قلبيهما إلى قبول الصلح مع الثناء على لسان أحدهما للآخر؛
وأخيرا: الاستعانة بالدعاء بأن يجعل الله التوفيق حليفك وأن يسهل لك ما أقدمت عليه مع البراءة إليه سبحانه من قوتك وقدرتك وذكائك وإظهار العجز والشدة والحاجة إليه للتأييد والتوفيق.
فاللهم أصلح ذات بيننا، واهدنا إلى إصلاح أنفسنا، واجمعنا على الخير ما أحييتنا، فإنك على كل شيء قدير، آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات، ربما يضطر المصلح بين الناس إلى تغيير الكلام تليينا للنفوس وبلوغا للهدف، ويستعمل الكذب مطية لذلك، وهو مشروع فعن أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بن أبي معيط وكانت رضي الله عنها من المهاجرات الأول التي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرت أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول “لَيْسَ الْكَذابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا”، قال بن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس من الكذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها.
الدعاء…