قصر الأمل وأحوال السلف الصالح في ذلك
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، وأحثكم على ذكره.
أما بعد فيا عباد الله، قال الله تعالى حاكيًا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: “إنما هذه الحياةُ الدنيا متاع وإن الآخرة هى دار القرار”، وكان صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه الترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: :مالى وللدنيا، إنما مثلى ومثل الدنيا كمثل راكب قال فى ظل شجرة ثم راح وتركها “، ومن وصايا المسيح عليه السلام أنه قال لأصحابه عن الدنيا : اعبروها ولا تعمروها”،
وعن ابن عمر رضي الله عنهما فيما رواه الإمام البخاري قال: “أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمَنْكَبىَّ فقال: كُنْ فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك”.
أيها الإخوة الكرام، تكلمنا في خطبة ماضية عن بعض مظاهر وتجليات طول الأمل في حياتنا اليومية، ونبهنا على خطره وضرره بشكل عام، وتطرقنا لبيان معناه وأسبابه وطرق علاجه، وفي خطبة هذا اليوم سنتكلم عن نتائج طول الأمل وعن معنى قصر الأمل وفوائده وحالات السلف الصالح مع قصر الأمل،
فبخصوص النتائج التي يحصلها الإنسان المريض بطول الأمل، ذكر العلماء الربانيون خمسة نتائج: الكسل عن الطاعة، والتسويف بالتوبة، والرغبة الشديدة في الدنيا، والنسيان للآخرة، والقسوة في القلب، لأن رقة القلب وصفاءه إنما تقع بتذكير الموت والقبر والثواب والعقاب وأهوال القيامة، وهكذا فالمؤمن الصادق ينبغي أن يكون حاله في الدنيا على أحد حالين، إما أن يكون كأنه غريب مقيم فى بلد غربة، همُّه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر إلى بلد الإقامة غير مقيم البتة،
ولقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم العبد السالك لطريق الآخرة بالغريب الذى ليس له سكن يؤويه ولا مسكن يسكنه، وشبهه في مثال آخر بعابر السبيل، لأن الغريب قد يبقى فى بلاد الغربة مدة، بخلاف عابر السبيل، فإن من شأنه أن لا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة،
قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسى الآخرة، ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل،
وقال بعضُ الْعُلَمَاءِ: يَا هَذَا إنَّمَا خُلِقَتِ الدُّنْيَا لِتَجُوزَهَا لا لِتَحُوزَهَا، ولِتَعْبُرَها لا لِتَعْمُرها فاقْتُلْ هَوَاكَ الْمَائِلَ إِلَيْهَا ولا تُعَوّلْ عَلَيهَا، واعْلَمْ أَنَّ الدُنْيَا مَزْرعةُ النَّوائِبِ ومَشْرَعَةُ المَصَائِبِ ومُفَرّقَةُ المَجَامِعِ ومُجْرِيَةُ المَدَامِعْ.
تأملوا أيها الإخوة والأخوات، إن الإنسان لو عَمَّر عُمر سيدنا نوح عليه السلام، وأعطي قوة عاد وثمود عليهم السلام، فلن يأخذ بهما فوق ما قدره الله له، ولن يمنعاه من الموت، فكان من تمام العقل البِدار إلى الله ولقاءه، والاستعداد لذلك باغتنام الحياة، إذ هي وقت البدار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”،
ولا نعني بهذا الكلام أن يترهبن الناس أو أن يجلسوا في البيوت، ويدعوا الحياة، فذلك لا يقول به عاقل على الإطلاق، وإنما الواجب السير في الحياة، والقيام بواجب الاستخلاف من غير أن تلج الحياة والدنيا قلوب العباد، والصحابة رضي الله عنهم- وهم جيل القدوة – جمعوا بين الاثنين، العمل للدنيا والآخرة في منظومة غير متنافرة ولسان حالهم يقول: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا “، فصحت لهم الدنيا وكانوا فيها سادة، وصحت لهم الآخرة، وأثنى عليهم رب العباد سبحانه، ورسوله صلى الله عليه وسلم،
وهكذا فقصر الأمل عليه مَدِارٌ عظيم، وهو من أنفع الأمور للقلب فإنه يبعث على انتهاز الفرص التي تمر مر السحاب والمبادرة إلى الخيرات والأعمال الصالحة ويثير عزيمة الإنسان إلى دار البقاء ويحثه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط ويزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة،
ولكي يحصل كل واحد منا قِصَرِ الأمَلِ فعليه بالإكثار من ذِكْرُ الموِتِ وعدم استغراب فِجْأَةِ الموتِ في أية لحظة وقد يكون في غَفْلةٍ، فأحفظوا هذه الفوائد وأعملوا بها تُفْلحوا وتَربَحْوا إنْ شاءَ الله تعالى، فمتى حِيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرةُ والأسفُ عليه، ويتمنى الرجوعَ إلى حال يتمكن فيه من العمل فلا تنفعه الأمنية، قال تعالى: “وأنقفوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدَكم الموت فيقولَ ربّ لولا أخرتنى إلى أجلٍ قريبٍ فأصّدّق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر اللهُ نفسًا إذا جاء أجلُها”، وفى الترمذى عن أبي هريرة رضي الله عنه: “ما من ميت يموت إلا ندم، قالوا: وما ندامته؟ قال: إن كان محسنًا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لايكون استعتب” أي رجع عن الإساءة وطلب الرضا”، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد فياعباد الله، قال الله تعالى: “ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم”، وقال عز وجل في آية أخرى: “كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها”.
أيها الإخوة الكرام بقي أن أحدثكم عن بعض ما أوثر عن السلف رحمهم الله في قصر الأمل، وقد أوثر عنهم في ذلك الشيء الكثير، فمن ذلك أن رجلا دخل على أبي ذر رضي الله عنه فجعل يقلب بصره في بيته فقال: “يا أبا ذر أين متاعك؟ فقال: إن لنا بيتا نتوجه إليه، فقال: إنه لابد لك من متاع ما دمت هنا، فقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا ههنا، وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه :” ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس يغفل عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راضي”، وعوتب بعض الصالحين على كثرة العبادة، فقال: إن الدنيا كانت ولم أكن فيها، وستكون ولا أكون فيها، ولا أريد أن أغبن أيامي.
وفي الأثر أن نبى الله عيسى كان يسير فى طريق فلقيه رجل فقال له أسألك الصحبة يا روح الله، فأذن له، وكان مع عيسى عليه السلام ثلاثة أرغفة، فأعطاه رغيفا وأخذ رغيفا وأبقى الثالث للحاجة، ثم ذهب عيسى لقضاء حاجة ورجع فلم يجد الرغيف الثالث، فسأل صاحبه أين الرغيف؟ فقال الرجل: لا أدري، ثم سارا فوجد عيسى ظبيًا فدعاه فذبحه وشواه وأكلاه ثم قال له: قم بأمر الله، فقام الظبى يجرى فقال عيسى: بالذى أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ فقال الرجل: لا أدرى، ثم مر عيسى بجبل فقال: كن ذهبا بإذن الله، فكان ذهبا، فقال عيسى بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ فقال الرجل لا أدري، فقال عيسى: إذًا نقسم الجبل ثلاثا: ثلث لي وثلث لك، وثلث لصاحب الرغيف الثالث، فقال الرجل: أنا صاحب الرغيف الثالث، فقال له عيسى: خذ الجبل كله ولكن لا تصحبنا (فخسر الرجل صحبة نبى الله) ثم طلع على الرجل قَاطِعَا طريقٍ فأرادا قتله، فقال لهما لا تفعلا ولنقسم الجبل، ثم ذهب أحدهم ليأتي لهم بطعام وأضمر في نفسه أن يَسُمَّهما، وكذلك اجتمعا على قتله حين يرجع بالطعام، فلما رجع وثبا عليه فقتلاه، ثم أكلا الطعام فماتا، فمر عيسى وحَوَارِيُّوه على هؤلاء الثلاثة فقال لهم عيسى: هذه الدنيا فاحذروها.
والحمد لله رب العالمين.