وقفة مع النفس (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)
وقفة مع النفس (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)
الحمد لله الكريم الفتاح أهل الكرم والسماح المُجزل لمن عامله بالأرباح، سبحانه فالق الإصباح وخالق الأرواح. أحمده سبحانه على نعمٍ تتجدد بالغدو والرواح، واشكره على ما صرف من المكروه وأزاح، وأشهد أن لا إله ألا الله وحده لا شريك له شهادةً بها للقلب انفساح وانشراح.
وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي أُرسل بالهدى والصلاح، اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ما بدا نجم ولاح.
وبعد:
احبتي في الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأن نُقدّم لأنفسنا أعمالاً صالحة مباركة تبيض وجوهنا يوم نلقاه تبارك وتعالى. (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:88-89]. (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران:106]. (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) [آل عمران:30]. (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) [التغابن:9].نسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يحبّب إلينا الإيمان ويزيّنه في قلوبنا، وأن يُكَرِّه إلينا الفسوق والعصيان، ويجعلنا من الراشدين.
احبتي في الله: يقول الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47].
وقال تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد:33].
أيها المسلمون: إن الله سيحاسبنا على كل شيء على الصغير والكبير والفتيل والقطمير، قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه) [الزلزلة:7-8].
ومن فضل الله (عز وجل) على الإنسان أن وهبه عقلا فطنًا يميز به بين الخير والشر، ويفرق به بين الحق والباطل ، ويزن به الأمور حتى يعيش سعيدًا في دنياه وأخراه. ولما كانت النفس البشرية بطبيعتها كثيرة التقلب ، ما بين ذكر وغفلة ، وطاعة ومعصية ، وفرح وحزن ، ورضى ويأس، تميل إلى الشر تارة وإلى الخير تارة ، وتأمر صاحبها بالسوء ، وترغبه فيه.
فعلى كل عاقل أن يقف مع نفسه وقفات ليحاسبها على ما بدر منها ، ويلجمها بتقوى الله (عز وجل) ومراقبته في كل قول وعمل، فتزكية النفس وتطهيرها مدار فلاح العبد ونجاته يوم القيامة ، قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * و َقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10].
فالعاقل من الناس هو الذي ينظر في أيامه ولياليه ، فإن كانت عامرة بالأقوال الطيبة والأعمال الصالحة سأل الله – تعالى- المزيد ، وإن وجد غير ذلك تاب إلى الله (عز وجل) توبة صادقة خالصة نصوحًا ، فمن فضل الله – تعالى- ورحمته بعباده أنه يقبل توبة التائبين، بل إنه سبحانه أخبرنا في كتابه الكريم بأن المسلم عندما يتوب إلى الله توبة صادقة تتحول سيئاته إلى حسنات ، يقول تعالى:{إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان:70] .
ولقد حثَّ الله- تعالى- عباده المؤمنين على محاسبة نفوسهم ومعاتبتها على تقصيرها وتفريطها في حق الله عز وجل ، والتأمل فيما قدموه لآخرتهم ، فقال سبحانه : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر: 18]. وعَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ ». (رواه الترمذي وقال : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).
أحبتي في الله
لينظر كل منا فيما يقدمه من أعمال ، أهي من الصالحة التي تنجيه ، أم من السيئات التي توبقه؟ فإن ذلك علامة من علامات التقوى لله رب العالمين ، لذا صدرت بها الآية الكريمة ، يقول مَيْمُون بْن مِهْرَان: ( لَا يَكُونُ الرَّجُلُ تَقِيًّا حَتَّى يَكُونَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ مُحَاسَبَةً مِنَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ) ، وذلك بمحاسبة نفسه قبل العرض على الله (عز وجل) ، وأن يزن أعماله قبل أن توزن ، وأن يهيئها للعرض على الله (عز وجل) ، فالحق سبحانه عالم بجميع الأعمال والأحوال ، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. يقول الماوردي (رحمه الله) في معنى محاسبة النفس: ” أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره ، فإن كان محموداً أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه ، وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل” [أدب الدنيا والدين].
ومن ثم وجب على كل إنسان أن يقف مع نفسه للحظات ، ليسأل نفسه ماذا قدم للقاء ربه؟ وماذا قدم لوطنه ؟ وما آخر الطريق الذي يريد الوصول إليه ؟ وماذا عن راحة ضميره في كل ما قدم ويقدم ؟ لقد سأل رجل النبي (صلى الله عليه وسلم) فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ؟ فقال له (صلى الله عليه وسلم): (وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟) فقال الرجل: لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) : (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) (متفق عليه).
أحبتي في الله
إذا كان من الحقائق المؤكدة أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، فيمكن لكل عاقل أن يثوب إلى طريق الرشاد بلا تردد أو توجس ما دام يوقن أنه سبيل الرشاد ، فاليوم سبيل العمل، وغدًا يوم الحساب ، حيث يقال : {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}[الصافات :24]، ومن هنا تتضح أهمية محاسبة النفس ، وخطورة إهمالها من غير محاسبة ولا معاتبة ، لأن إهمالها هو شأن الغافلين الضالين.
فمحاسبة النفس هي أعظم طريق إلى الله (عز وجل) ، وخير زاد للمؤمنين في حياتهم وآخرتهم ، وسبب سعادة الفائزين المفلحين في دنياهم ومعادهم ، فما نجا من نجا يوم القيامة إلا بمحاسبة النفس ومخالفة الهوى ، فمَن حاسب نفسه قبل أن يُحاسب خفَّ يوم القيامة حسابه ، قال عُمَر بْن الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) : (حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ – أَوْ قَالَ: أَيْسَرُ – لِحِسَابِكُمْ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَجَهَّزُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ :{يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}[الحاقة: 18]). وفي رواية: (حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ في الدُّنْيَا). فالمحاسبة للنفس في دار الدنيا أهون من محاسبة الله للعبد في يوم تشيب فيه رؤوس الولدان ، فالمحاسِب هو الله ، وكفى بالله حسيبا.
وجدير بالذكر أن محاسبة النفس علامة على قوة إيمان العبد بربه ، وذلك لأنه يستحضر عظمة الوقوف بين يدي الله (عز وجل) يوم القيامة وما فيه من أهوال وأحوال يشيب لها الولدان، قال تعالى: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}[مريم: 39-40] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}[لقمان : 33]، وفي ذلك يقول النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ) (رواه الترمذي) ، وَدَانَ نَفْسَهُ ، أي: حَاسَبَها. وعَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) : (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ) (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ).
ويصف الْحَسَن البصري (رضي الله عنه) المؤمن بقوله: (الْمُؤْمِنُ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) ، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ). ويقول أيضًا : ( لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هِمَّتِهِ) ( الزهد والرقائق لابن المبارك)، فالمؤمن دائمًا يعاتب نفسه والفاجر يمضي قُدُماً لا يعاتبها.
ومن عظيم رحمة الله (عز وجل) بالعبد ساعة الحساب أنه يحاسبه بالفضل لا بالعدل ، فكل نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة: 284]، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ ، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ ، الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدِ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا ، قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}[البقرة: 285]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا …} [البقرة: 286] [رواه مسلم].
اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين نحمده تعالى ونشكره ونثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه صلوات الله عليه وسلامه وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أحبتي في الله
لقد ضرب لنا الصحابة الكرام (رضي الله تعالى عنهم) أروع الأمثلة في المحاسبة ، واضعين نصب أعينهم قول الله (عز وجل):{يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}[الحاقة:18]. ولسان حال الواحد منهم ما قاله ربنا سبحانه على لسان الخليل إبراهيم (عليه السلام): {وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ* يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ}[الشعراء: 87 -91].
وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال : سمعتُ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يوماً وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعتُه يقول وبيني وبينه جدار : عمر أمير المؤمنين بخٍ بخٍ ، واللهِ بُنَيّ الخطاب لتتقينّ الله أو ليعذبنّك) [الزهد للإمام أحمد].
ولا نزال مع عمر (رضي الله عنه) : فقد كَتَبَ (رضي الله عنه) إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ كتابا ، فَكَانَ فِي آخِرِه: ” أَنْ حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ ، فَإِنَّهُ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى الرِّضَا وَالْغِبْطَةِ ، وَمَنْ أَلْهَتْهُ حَيَاتُهُ وَشُغْلُهُ بِهَوَاهُ عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ ، فَتَذَكَّرْ مَا تُوعَظُ بِهِ لِكَيْ تَنْتَهِيَ عَمَّا يُنْتَهَى عَنْهُ” (شعب الإيمان للبيهقي).
وجاء عن ابن الصّمة : (أنه جلس يوماً ليحاسب نفسَه فعدّ عمره فإذا هو ابن ستين سنة ، فحسب أيّامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفاً وخمسمائة يوم ؛ فصرخ وقال: يا ويلتى ! ألقى الملك بواحدٍ وعشرين ألف ذنب ! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ؟ ! ! ثم خرّ فإذا هو ميّت ! ! فسمعوا قائلاً يقول : يا لكِ ركضةٌ إلى الفردوس الأعلى).
ومن الأمور التي تعين العبد على محاسبة النفس: النظر فيما أعده الله (عز وجل) لعباده المؤمنين، وما أعده الله للعصاة الضالين المفسدين. فالخلق جميعًا بين فريقين لا ثالث لهما {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ}[الأعراف:30] ، يذكرنا القرآن الكريم بحال كلا الفريقين ، فيقول الحق سبحانه :{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}[فصلت30-32]، فالملائكة هنا لا تتنزل على الأنبياء والمرسلين فحسب ، إنما تتنزل على عباد الله الصالحين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، لكن متى تتنزل ؟ وكيف تتنزل ؟
أما الكيفية فعلمها مفوض إلى رب السموات والأرض رب العرش العظيم ، ولكن متى تتنزل؟ فأكثر أهل العلم على أنها تنزل على المؤمن ساعة الاحتضار لتطمئنه قائلة : لا تخف يا عبد الله ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد ،{نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت :31] .
أما يوم المحشر فكما تحدث القرآن الكريم في أواخر سورة الأنبياء :{وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ }[الأنبياء :103] ، وأما في الجنة فالملائكة يدخلون عليهم من كل باب {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}[الرعد :24] ،{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ }[الحاقة :24] ، {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}[فصلت :31]، {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[البقرة :25] ، {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً}[الإنسان :19-20] .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): قَالَ اللَّهُ (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ:{فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}) [السجدة: 17] (رواه البخاري). وعن أبي هريرة (رضي الله عنهما): أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قال: (إذَا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يُنَادِي مُنَادٍ : إنَّ لَكُمْ أنْ تَحْيَوْا ، فَلاَ تَمُوتُوا أَبَداً ، وإنَّ لَكُمْ أنْ تَصِحُّوا ، فلا تَسْقَمُوا أبداً ، وإنَّ لَكمْ أنْ تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبداً ، وإنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا ، فَلاَ تَبْأسُوا أَبَداً) (رواه مسلم) ، ونزع الله (عز وجل) من بينهم الغل والحسد فقال سبحانه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر :47].
أما على الجانب الآخر والعياذ بالله فهناك من شُغل عن الله (عز وجل) بماله ، أو بجاهه ، أو بسلطانه ، أو بتجارته ، أو بجماعته ، وفصيله ، وهناك { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}[عبس : 34-37] ، {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشعراء 88 – 89] ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}[لقمان : 33] يومها يندم الخاسرون حيث لا ينفع الندم ، يقول كل من يأخذ كتابه بشماله:{يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ}[الحاقة :25-32] .
فالنظر إلى مآل أهل الجنة ومآل أهل النار من أهم الأمور التي تعين على محاسبة النفس ، قال إبراهيم التيمي: مَثَّلْتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مَثَّلْتُ نفسي في النار: آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها، وأغلالها، فقلت لنفسي: أي نفسي أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا، قلت: فأنت في الأمنية فاعملي[الزهد للإمام أحمد].
فالآخرة تحتاج إلى سعي هو سعيها الموصول إلى مرضاة الله فيها ، سعي المؤمن بها المعد لها ، وهذا هو السعي المشكور ، أما الفريق الآخر فحتفه جهنم يلقاها مذمومًا مدحورًا ، يقول سبحانه : {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}[الليل: 5-10] ، فالعاقل من يعمل لدنياه كأنما يعيش أبدًا ويعمل لآخرته كأنه يموت غدًا ، من منطلق قوله تعالى :{… وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ…}[القصص :77].
احبتي في الله لو كانت المحاسبة للنفوس قائمة لكان الحال غير الحال ولرأيت الصلاح في البشر ورأيت الصلاح في العباد وفي البلاد ولكن كثيرًا من الناس غافلون عن محاسبة أنفسهم.
لو كانت المحاسبة للنفوس قائمة لما رأيت معصية لما رأيت شركًا ولا نفاقًا ولا رأيت غيبة ولا نميمة ولا رأيت ربًا أوزنًا ولا خمرًا ولا رأيت صغيرة ولا كبيرة، ما رأيت إيمانًا كاذبًا ولا غشًا ولا خداعًا ولا ظلمًا ولا جورًا ولا عدوانًا، لو كانت المحاسبة في النفوس قائمة ما حصلت مشاكل في مال وما قامت منكرات لم تسبق فيمن سبق من العالمين كان نتيجتها على التفرق والتمزق الذي يعيشه المسلمون اليوم.
لو حاسب الناس أنفسهم وأقاموها على أمر الله تبارك وتعالى لرأيت الحال غير الحال إن كثيرًا من الناس لا يرتاح في نوم حتى يعرف حساب تجارته هل آلت به إلى الربح أم إلى الخسران، بل قد ينهض من فراشه مرات كلما تذكر أمرًا من الأمور وقد تمر عليه الليلة كاملة ولا يستحل بنوم أبدًا.
وإن بعضًا من الناس يمر عليه الليل وهو يتلوى من الحسرة والندامة على صفقة خسرها أو فاتته مشاركة فيها.
بل إن بعضًا من الناس يمسي يعض أصابع الندم حينما يرى نعمة أنعم الله بها على أحد من إخوانه وقد تكون ابتلاءً واختبارًا من الله تعالى.
بل إن بعض الناس أيضًا قد يتجاوز الحق إلى الباطل استبدادًا لرأيه وتعصبًا لهواه وميلاً مع شهوته.
فلو كانت المحاسبة في النفوس قائمة ما رأيت هذه الأمور ولا غيرها مما يغضب الله تبارك وتعالى ولصلحت أحوال المسلمين ولن تصلح إلا إذا حاسبوا أنفسهم واستعدوا إلى لقاء الله تعالى الذي سيحاسبهم وهو يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه خافية فهو علام الغيوب سبحانه وتعالى.
فاتقوا الله يا عباد الله وحاسبوا أنفسكم وراقبوها وقوموها على أمر الله تعالى وحاسبوا أنفسكم في أسبوع مضى من حاسب نفسه على طاعة فازداد منها أو على معصية وقع فيها فتاب منها من الذي فعل ذلك.
فما أحوج الأمة اليوم ـ كبيرها وصغيرها ، رجالها ونساءها ـ شبابها وشيوخها ، أغنياءها وفقراءها ، إلى وقفة لمحاسبة النفس ، وخاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها أمتنا العربية والإسلامية.
هذا وصلوا وسلموا على عبد الله ورسوله فقد أمركم الله بذلك فقال تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56].
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن أصحابه أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بفضلك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
الدعــــــــــــــــــــاء …..
خطبة الجمعة ليوم 12 اكتوبر2018 بمسجد الحسن الثاني سيدي بنور ، الدكتور : عبد الهادي السبيوي