معنى القضاء والقدر والعلاقة بينهما وأقسام القضاء وكيف يتجاوز المسلم الإشكالات التي يثيرها هذا الموضوع؟
معنى القضاء والقدر والعلاقة بينهما وأقسام القضاء وكيف يتجاوز المسلم الإشكالات التي يثيرها هذا الموضوع؟
الدكتور مولاي عبد المغيث بصير
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى وأحثكم على ذكره.
أما بعد فيا عباد الله، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:”ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تاسوا على مافاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لايحب كل مختال فخور”، وثبت في المتفق عليه في حديث جبريل المشهور المتواتر الذي علمنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان، أن سيدنا جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمانفأجابه بقوله: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره: قال: صدقت”.
عباد الله، إن من أركان الإيمان بالله تعالى، والتي لايتم البناء إلا بها، الإيمان بالقدر خيره وشره كما ورد في الحديث السابق، والإيمان بالقضاء والقدر درجة حساسة اضطرب عندها إيمان الكثير من المسلمين في أيامنا هذه، فتجد بعضهم يخلط بين القضاء والقدر، وتجد بعضهم يتبرم من المصاب الذي ابتلي به، وتجد آخر يجزع ويقلق عندما يخسر أو يرسب أو يموت أحد من أعزائه وأحبابه، وتجد بعضهميصاب باليأس والاكتئاب عندما يصاب بمرض ابنه أو ابنته أو يحدث نفسه بالانتحار عندما تحوم حوله المصائب من كل جانب، وتجد منهم من يطرح إشكالات كثيرة تتعلق بالقضاء والقدر، كأن يوحي الشيطان إلى بعضهم فيقول: إذا كان الله يعلم مسبقا بأنه لن يهدينا صراطه المستقيم فكيف له أن يعذبنا ويدخلنا النار بعد ذلك؟، وكأنهم مجبورون مقهورون من قبل الله تعالى ليس لهم اختيار ولاقدرة بالمرة، وتجد غيرهم يعبر عن قدرته على خلق أفعاله خيرها وشرها، إلى غير ذلك من المزالق والمتاهات، وهكذا عباد اللهفكل من لايعبر عن رضاه بقضاء الله وقدره عندما ينزل به، فهو لم يستطع بعد التحققبدرجة ومقام الإيمان بالله، فأنى لمثل هذا أن يصل إلى درجة أن يعبد الله كأنه يراه؟فمامعنى القضاء؟ ومامعنى القدر؟ وماهي العلاقة التي بينهما؟ وماهي أقسام القضاء؟وكيف يتجاوز المسلم هذه العقبات؟.
عباد الله، إن ضجر الإنسان من القضاءوالقدر وعدم وصوله إلى درجة الرضىوالإيمان به، وقع للعديد ممن كان في عصر الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم وعصر الخلفاء الراشدين من بعده، كما أن هذه الإشكالية أسالت الكثير من المداد من قبل علماء الإسلام، ثبت في المتفق عليه عن أنس رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر، فقال: “اتقي الله واصبري”، فقالت: إليك عني: فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها، إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك فقال: “إنما الصبر عند الصدمة الأولى”. فالمعول إذن أن تعبر عن رضاك وعن إيمانك بالقضاء والقدر عند الوهلة الأولى والصدمة الأولى، ولا تنتظر حتى يأتيك الناس ويحلقوا من حولك من أجل وعظك للتخفيف من ضجرك.وعن ابن مسعود أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال :”لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه”.
عباد الله، القضاء هو علم الله في الأزل بكل ماسيجري في الكون، أي مستقبلا من الحوادث الطبيعية والتصرفات البشرية القسرية منها والاختيارية، فالله سبحانه وتعالى يعلم كل ماسيجري في ملكوته، كل ذلك بخلقه وقدرته، والقدر وقوع هذا الذي تعلق به علم الله تعالى مطابقا لعلمه، فالقضاء هو علم الله بكل ماسيجري مستقبلا، والقدر هو المرحلة التنفيذية لذلك المعلوم الذي كان مخبوءا في غيبه عز وجل، فالقضاء إذن لاعلاقة له بالجبر والاختيار كما يتوهم كثير من الناس، لأن العلم صفة كاشفة لاتستلزم بحد ذاتها جبرا ولا اختيارا، أي ليست صفة مؤثرة، وشبهه بعض العلماء بالضوء المنبثق من مقدمة السيارة، فالضوء يريك ويكشف لك الطريق كما هو دون أي تأثير في سياقتك. أسأل الله تبارك وتعالى أن يقوي إيماننا به ويلهمنا الأدب معه، أمين أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فياعباد الله، يقول الله تعالى:” وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ماتعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما”.وفي المتفق عليه قال سيدنا أبو عبيدة لسيدنا عمر رضي الله عنهما لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفر من القضاء؟ قال أفر من قضاء الله إلى قدره، فقال سيدنا أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟، فقال سيدنا عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصيبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله”.
عباد الله، إن القضاء، أي ماتعلق به علم الله ينقسم إلى قسمين، أولهماماعلم الله أنه سيخلقه بأمر تكويني لا علاقة للاختيار الإنساني به، كحوادث الطبيعة من فياضانات وزلازل وأوبئة وتقلبات مناخية، ومختلف حوادث التي تنزل قسرا بالإنسان كالولادة والموت والأمراض والعاهات والرقاد واليقظة والسقوط وغيرها. فمن منا اختار بنفسه أن يخرج إلى دار الدنيا؟ ومن منا اختار أن يخرج ذكرا أم أنثى؟ ومن منا اختار صورته وشكله ومنظره؟ أيخرج قصيرا أم طويلا أم يخرج أبيضا أو أسودا؟ ينبغي أن نتأمل في هذا كله، وثانيهماماعلم الله أنه سيخلقه تبعا لما قد تتجه إليه رغبة الإنسان واختياره، ويدخل في ذلك كل التصرفات التي يمارسها أحدنا برغبته واختياره،فدور أحدنا في ذلك التوجه واتخاذ القرار،ودور الباري عز وجل- إن صح التعبير- خلق هذا الذي وقع اختيار الإنسان عليه وعزم على فعله، ومثال ذلك كل الأنشطة التجارية والزراعية والاجتماعية والصلاة والصيام والحج وغيرها من الأمور الاختيارية التي يزاولها الإنسان.
واسمحوا لي لبيان ذلك أن أضرب المثال التالي، زيد من الناس له ولد يحضر للحصول على شهادةالباكلوريا مثلا، وهو دائما ينصحه ويلح عليه في الإقبال على دراسته، ولكن لما أدى ابنه الامتحان رسب، فلو قال له والده كنت أعلم أنك لن تنجح، أيجوز للابن أن يقول لوالده: أنت إذن من حرمني النجاح؟،فلا علم الوالد باستحقاق ابنه النجاح سبب لنجاحه ولا علمه باستحقاق ابنه للرسوب سبب لرسوبه، السبب في جميع الأحوال يعود إلى العامل المؤثر، وهو القابلية أو عدم القابلية.وكذلكم الأمر بالنسبة للعبد مع ربه الذي أعطاه العقل ومتعه بالاختيار، فلاعلم الله تعالى باستقامته على طريق الفوز والفلاح سبب للفوز، ولا علمه بعدم استقامته سبب لعدم الفوز والشقاء، إنما السبب في كل الأحوال مايختاره العبد لنفسه، ثم مايبذل من جهد على طريق ذلك الاختيار، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: “كل شيء بقدر حتى العجز والكيس”، نسألك يارب أن تحبب إلينا الإيمان وأن تزينه في قلوبنا وأن تكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وأن تجعلنا من عبادك الراشدين. أمين.والحمد لله رب العالمين.