مدى حاجة الفرد والمجتمع إلى الأخلاق والقيم
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك وأشهد أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله خير نبي أرسله أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى وأحثكم على ذكره.
أما بعد فيا عباد الله، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:” هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة”، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البزار في مسنده عن أبي هريرة رضي لله عنه:” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، من خلال الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف، يتبين إذن أن المقصود الشرعي من رسالة النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هو مقصد أخلاقي بامتياز.
أيها الإخوة الكرام، إنه عند التأمل في القيم والأخلاق التي غدت غالبة على معاملاتنا وسلوكياتنا فيما بيننا مقارنة بالأخلاق التي ارتضاها لنا الله تعالى ورسوله المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، نجد بأن أخلاقنا غدت في الحضيض، وأصبحنا نعيش في أيامنا هذه انحراف السلوك الاجتماعي لأهل المجتمع إلا ماقل ونذر والناذر لاحكم له كما يقال، حيث تنامت على سبيل المثال لاالحصر جرائم التحرش الجنسي، والاغتصاب الجماعي، وتعنيف الأساتذة والمربين، أضف إلى ذلك أن المجتمع أصبح لايزداد إلا تفككا، والقيم تندثر يوما بعد يوم، وأصبحت لاتسمع إلا عن المنافسة الغير الشريفة والنزاعات والحسد والأنانية، مع غياب الوحدة والراحة والطمأنينة، وقلة الاحترام والتقدير، وانتشار الضغينة والعناد والحقد والنزاعات حتى بين الإخوة والأزواج، وغير ذلك، وغاب دور الأسرة والمدرسة في إعداد الناشئة والشباب، وتربيتهم على الأخلاق الفاضلة وتخريج المواطن الصالح، الذي يجمع بين العلم من جهة، وأخلاق العلم من جهة ثانية، حيث استفحلت الظواهر السلبية في المجتمع، وأصبحت المدارس والجامعات والمعاهد تخرج أفواجا من حملة العلم، لكنهم لا يحملون أخلاق العلم ذاته، فنظرة عابرة في الشارع والحي والسوق والمسجد والطرقات والفضاء العام، كافية لأن تعكس الصورة الحقيقية لأخلاقنا ولحقيقة سلوكنا، مما يجعلنا نتساءل أين غابت المهارات الأخلاقية النبيلة؟ وأين غابت المحبة على أرضية الواقع؟ وأين وأوين؟ فما الفائدة من تديننا إذا لم ينعكس ذلك على أخلاقنا؟ وما الفائدة من انتمائنا لأهل الإسلام والإيمان والإحسان إذا لم نكن متخلقين في سلوكياتنا ومعاملاتنا؟
أيها الإخوة الكرام، لقد تضافرت النصوص من كتاب الله عز وجل على الأمر بالتخلق بالأخلاق الحسنة، ونصت على الكثير منها، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتثل أمر الله تعالى في كلِّ شأنه قولًا وعملًا، ويأتمر بكلِّ أخلاق حسنة ورد الأمر بها في القرآن، وينتهي عن كلِّ أخلاق سيئة ورد النهي عنها في القرآن؛ لذا كان خلقه القرآن، وأثنى إلهنا العظيم على أخلاقه فقال عز وجل :” وإنك لعلى خلق عظيم”، وأيضًا فإن الالتزام بالأخلاق الحسنة امتثال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي يأمر بها ويحض عليها، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن”.
فالإنسان أيها الإخوة والأخوات جسد وروح، وظاهر وباطن، والأخلاق الإسلامية تمثل صورة الإنسان الباطنة، والتي محلُّها القلب، وهذه الصورة الباطنة هي قوام شخصية الإنسان المسلم، فالإنسان لا يقاس بطوله وعرضه، أو لونه وجماله، أو فقره وغناه، وإنما بأخلاقه وأعماله المعبرة عن هذه الأخلاق، يقول عز وجل:”يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”، ويقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: “إنَّ الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.
وإذا تأملتم آيات القرآن الكريم، ستجدون أن الله عز وجل كثيرًا ما يربط بين الإيمان والعمل الصالح، الذي تعدُّ الأخلاق الحسنة أحد أركانه، فالإيمان دون خُلُق شجرة لا ظل لها ولا ثمرة، والعبادات أيضا تثمر الأخلاق الحسنة، إذا ما أقامها المسلم على الوجه الأكمل، قال تعالى:” وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ”، فالعبرة بالمداومة والاستمرار على الطاعة، فلا نبات لشجرة الإيمان دون ثبات على الطاعات. والمعاملات هي الأخرى كلَّها قائمة على الأخلاق الحسنة في أقوال المسلم وأفعاله، والمتأمل لتعاليم الإسلام يرى هذا واضحا جليًّا.أسأل الله عز وجل أن يهدينا لأحسن الأخلاق فإنه لايهدينا لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها فإنه لايصرف عنا سيئها إلا هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، إن الله غفور رحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، فياعباد الله، يقول تعالى:” قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”، ويقول سبحانه:” قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى”.
أيها الإخوة الكرام، إن أهمية الأخلاق الإسلامية تظهر أكثر لما لها من أثر في سلوك الفرد، وفي سلوك المجتمع، وذلك لما تزرعه في نفس صاحبها من الرحمة، والصدق، والعدل، والأمانة، والحياء، والعفة، والتعاون، والتكافل، والإخلاص، والتواضع، وغير ذلك من القيم والأخلاق السامية، فالأخلاق بالنسبة للفرد هي أساس الفلاح والنجاح، وإذا تأملتم معنى كلمة التزكية في مدلولها فهي لاتعني سوى تهذيب النفس باطنًا وظاهرًا، في حركاته وسكناته، وأما أثر الأخلاق في سلوك المجتمع، فالأخلاق هي الأساس لبناء المجتمعات الإنسانية إسلامية كانت أو غير إسلامية، يقرر ذلك قوله تعالى:”وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”، فالعمل الصالح المدعم بالتواصي بالحقِّ، والتواصي بالصبر في مواجهة المغريات والتحديات من شأنه أن يبني مجتمعًا محصنًا لا تنال منه عوامل التردي والانحطاط، وليس ابتلاء الأمم والحضارات كامنًا في ضعف إمكاناتها المادية أو منجزاتها العلميَّة، إنما في قيمتها الخلقية التي تسودها وتتحلى بها
وإن أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية لا يستطيع أفراده أن يعيشوا متفاهمين متعاونين سعداء مطمئنين ما لم تربط بينهم روابط متينة من الأخلاق الكريمة.
أيها الإخوة الكرام، ولو فرضنا احتمالًا أنه قام مجتمع من المجتمعات على أساس تبادل المنافع المادية فقط، من غير أن يكون وراء ذلك غرض أسمى؛ فإنَّه لابد لسلامة هذا المجتمع من خلقي الثقة والأمانة على أقل التقادير.
فمكارم الأخلاق كانت ولازالت ضرورة اجتماعية، لا يستغني عنها مجتمع من المجتمعات، ومتى فقدت الأخلاق التي هي الوسيط الذي لابد منه، لانسجام الإنسان مع أخيه الإنسان، تفكك أفراد المجتمع، وتصارعوا، وتناهبوا مصالحهم، ثم أدى بهم ذلك إلى الانهيار، ثم إلى الدمار، نسأل الله عز وجل أن يسلمنا وأن يحفظ أخلاقنا من أن تمس بشيء يدنسها دائما وأبدا، أمين أمين والحمد لله رب العالمين.