ماذا بقي معنا بعد انقضاء شهر رمضان؟
ماذا بقي معنا بعد انقضاء شهر رمضان؟
الأستاذ مولاي يوسف بصير
الحمد لله، الحمد لله المتوحد بالعز والبقاء، الذي قضى على أهل هذه الدار بالزوال والفناء، ليدلنا بذلك على أن لكل نازل رحيلا وانتقالا، جعل لكل أجل كتابا، ولكل عمل حسابا، نحمده تعالى ونشكره ونستغفره ونتوب إليه، ونشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الخلق والأمر، وإليه المصير يوم الحشر، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، قضى حياته في الجهاد والعمل فما زال يعبد ربه حتى حضره الأجل، ﷺ وعلى آله وأصحابه الذين كان كل دهرهم رمضان، فما كان دخوله يزيد من اجتهادهم، وما كان خروجه ينقص من أعمالهم، وسلم تسليما كثيرا،
أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات، قبل بضعة أيام كنا ننعم بعبادة الصيام في شهر الصيام والقيام، شهر الخيرات والبركات والإنعام، نصوم النهار ونقوم من الليل، ونتقرب إلى ربنا العزيز الغفار طمعا في ثوابه وخوفا من عقابه، وامتثالا لأوامره واجتنابا لنواهيه، فانتهت تلك الأيام، وقطعنا بها مرحلة من حياتنا، لن تعود إلينا، وإنما يبقى لنا ما أودعناه فيها من خير أو شر، سنجده عند من لا يضيع أجر من أحسن عملا، فمن كان في شهر الصيام محسنا فليحمد الله على ذلك، وليبشر بعظيم الثواب وجزيل العطاء هنالك، ومن كان فيه مسيئا فليتب إلى الله توبة نصوحا، وليشمر على ساعد الجد، لاستدراك ما فاته من خير في شهر الصيام، ويقضي ما بقي من عمره في طاعة وعبادة الله، فإن الطاعة والعبادة لا تقتصر على أوقات محدودة، وشهر أيامه معدودة، وإنما تمتد على امتداد الأعمار، ولا تنتهي إلا بتسليم أرواحنا بين يدي العزيز الغفار، الذي يقول: “واعبد ربك حتى ياتيك اليقين”،
أيها الإخوة المؤمنون، يا من بنيتم حياتكم على الإستقامة في شهر الصيام، داوموا على هذه الإستقامة بقية الشهور والأيام، ولا تهدموها بالعودة إلى المعاصي وارتكاب الآثام، فإن الغاية من الإستقامة وتزكية النفس في رمضان أن تثمر استمرارا عليها بقية الزمان، لأن من علامة قبول الحسنة إتباعها بالحسنة، واعلم أخي أن الرجوع إلى المعاصي بعد التوبة منها وبعد تذوق حلاوة الطاعة والإستقامة أعظم جرما وأشد إثما، فيا من أعتقه مولاه في رمضان، وطهر قلبه من الأمراض والأوزار إياك أن تعود إلى الموبقات المحرمات فتسقط في المهالك وتبوء بالخسران وسوء الدار. ويا من ألفت حضور المساجد وعمارة بيوت الله بالطاعة والعبادة والأذكار، وأداء صلاة الجمعة والجماعة والتراويح والأوتار، واصل سعيك المبارك وأكثر خطواتك بالليل وأطراف النهار، ولا تقلل صلتك بالمساجد فتشارك المنافقين في أعمالهم، وتكون من أصحاب النار، أولئك الذين لا ياتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون، واحرص على أن لا تهجر الجمعة والجماعة وتنقطع عنهما نهائيا فيختم الله على قلبك وتصير من الغافلين، روى الإمام مسلم عن ابن عباس (ض) قال: قال رسول الله ﷺ: “لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين”. ويا من تعودت تلاوة القران في شهر القرآن، وحضور مجالس الوعظ في رمضان، داوم على قراءته وحضور مجالسه ما وسعك الزمان، فإنه ربيع القلوب، ومزيل الكروب، وشفاء لما في الصدور، وهو روح من الله وهدى ونور مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، لا تقطع صلتك به، فإنه حجتك يوم القيامة، “يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون”. ويا من كنت تقوم من الليل في الأيام الرمضانية، استمر على هذه المسيرة الطيبة الربانية، واجعل لك من قيام الليل نصيبا ولو كان قليلا، ترفع فيه حوائجك إلى ربك، وتبتل إليه تبتيلا، وتكون من الذين يمتثلون قول ربهم حين يقول: “ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا”. ويا من ألفت الصيام في رمضان، واصل هذه العبادة الحميدة، فإن الصيام لا يزال مشروعا طول العام، فهناك أيام حث على صيامها نبينا العدنان ﷺمنها ستة أيام من شوال، روى الإمام مسلم وغيره عن أبي أيوب (ض) قال: رسول الله ﷺ: “من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر”، قال العلماء في شرح هذا الحديث: الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر ، والأيام الستة بشهرين، فصم هذه الست في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره، متتابعة أو متفرقة ولا تعتقد أنها مؤكدة أو واجبة، وإنما هي مستحبة لا غير، فمن صامها فله الأجر، ومن لم يصمها فلا شيء عليه، وهنا ينبغي التنبيه على النساء أن يحرصن أولا على صيام الفرض قبل النافلة، ومن الصيام المشروع أيضا خلال العام صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لقوله ﷺ: “صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر يذهب وحر الصدر”، ومنها صيام عشر ذي الحجة وخصوصا يوم عرفة لغير الحاج، ومنها صيام العشر الأول من المحرم خصوصا العاشر منه، فعن أبي هريرة (ض) قال: سئل رسول الله ﷺ أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: “الصلاة في جوف الليل، قيل ثم أي الصيام أفضل بعد رمضان قال: شهر الله الذي تدعونه المحرم”، ومنها صيام الإثنين والخميس، كل هذه الأيام يستحب لك صيامها إن أردت زيادة الفضل والثواب والتقرب من ربك العزيز الوهاب، واقتداءا بنبيك الذي بعثه الله لإنقاذك من العذاب. ويا من تعودت في رمضان بذل الصدقات والإحسان إلى الأرامل والفقراء والمساكين والأيتام، واصل إحسانك بقية الأيام، وتصدق فإن الله يجزي المتصدقين، وتحر في صدقتك ذوي الحاجات المتعففين عن ذل السؤال من الفقراء الذين لا يسألون الناس إلحافا، واعلم أن خزائن ربك ملآى لا تغيظها نفقة، ويده سحاء الليل والنهار، وأنه لا غنى بكم عنه طرفة عين، فليست حاجتكم إليه في رمضان فقط. يقول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم”، جعلني الله وإياكم من الذين يشكرون النعمة بالطاعة، ويغتنمون الفرصة قبل أن تصير غصة، ولا يضيعون أوقاتهم بالإعراض والغفلة، آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات، يحق لنا اليوم أن نتساءل عما ربحناه من خلال صيامنا وعبادتنا لله تعالى في شهر رمضان، فهل بقي لنا من ثماره شيء، أم أننا أنهينا الطاعة بانقضاء وانتهاء هذا الشهر الفضيل؟، لآن الغاية من هذه الطاعات أن تثمر أخلاقا، واستعدادا دائما لمواصلتها، والتأدب بها، فقد تعلمنا من مدرسة الصيام تزكية النفس وكبح جماحها عن الشهوات والملذات، والبعد عن الغيبة والنميمة والحسد والشقاق والشحناء، وترك الخصومات والغش في المعاملات، وتعلمنا الوفاء بالعهود، والصدق في الأقوال، والحرص على أداء الواجبات الدينية والوظيفية والوطنية بكل إخلاص ووفاء، وتعلمنا من مدرسة الصيام طاعة الوالدين وبرهما، والإحسان إلى الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام، فهل بقي معنا شيء من هذه الخصال؟، أم أنها انقضت بانقضاء شهر رمضان؟ أيها المؤمنون، إن بعض الناس ليحصل منهم بعد رمضان إسراف في الشهوات وإقبال على الملذات كأنهم بذلك يعلنون تضايقهم من رمضان، وفرحهم بانقضاء شهر المكرمات والغفران، أو كأنه عدو قد انتصروا عليه، وبدعة قد تخلصوا منها، في حين أن المشروع لكل مسلم عند فراغه من كل عبادة مشروعة، أن يكثر من الشكر والإستغفار، ورفع الأكف إلى الله الواحد القهار يسأله القبول أولا، ويسأله العون على مداومة الطاعات، لأن الشكر يستدعي المزيد والدعاء مخ العبادة، أيها المومنون، جدير بنا أن نكثر بعد رمضان من الأعمال الصالحة بقلب خاشع ونية خالصة، وأن لا نزكي أنفسنا فقد كان الصحابة (ض) مع جلال ما يؤدون من صالح الأعمال يخافون أن ترد عليهم دعواتهم وأعمالهم، كما ذكر الله ذلك عنهم حين قال: “والذين يوتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون”. الدعاء