كيف نقيس درجة محبتنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، وأحثكم على ذكره.
أما بعد فيا عباد الله، يقول الله تعالى في كتابه الكريم :”قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم”، وفي المتفق عليه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لايؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين”.
أيها الإخوة الكرام، مادمنا نعيش أجواء شهر ربيع الأول، الذي ولد فيه الرسول المعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه حري بنا أن نتوقف وقفة مع أنفسنا لنسائلها جملة أسئلة لنقيس درجة محبتنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرجة اتباعنا وتعظيمنا له، أول تلك الأسئلة، هل أننا فعلا نحبه أكثر من الغير وأكثر من أنفسنا أم أننا نقدم حب الغير وحب أنفسنا عليه وندعي محبته ادعاء؟ ولنسائل أنفسنا أيضا، هل عرفناه حق المعرفة أم أن ذلك لم يخطر منا على بال لنجعله من أولوياتنا؟ ولنسائلها بعد ذلك، هل بدلنا جهدنا في الاطلاع على سنته والعمل بها أم أن ذلك لايهمنا لامن قريب ولامن بعيد؟ ولنسأل أيضا، هل نطلب الله سبحانه وتعالى بأن يكرمنا بشفاعة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أن جفاءنا له حال بيننا وبين طلب ذلك؟، ولنسأل كذلك، هل تمنينا يوما أن يكرمنا الله برؤيته في المنام، لأن من رآه فقد رآه حقا لأن الشيطان لايتمثل به كما ورد في الحديث الصحيح، وهل أننا فعلا مشتاقون لرؤيته يوم القيامة؟ وهل سألنا الله أن يكرمنا بأن نكون أقرب الناس مجلسا منه يوم القيامة؟ وهل نخصص أوقاتا للصلاة والسلام عليه تأدية لبعض حقوقه علينا؟ وهل؟ وهل؟
أيها الإخوة الكرام، هذه بعض الأسئلة الوجيهة التي ينبغي أن يوجهها كل مسلم محب للنبي صلى الله عليه وسلم لنفسه إذا أراد قياس درجة محبته للجناب النبوي والوقوف على حقيقة محبته له، فقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يتنافسون في محبته، ولايطيقون البعاد عنه ولو برهة قصيرة من الزمن، ويفدونه بأنفسهم، ويفرحون إذا انتدبهم لشيء، أو عبر عن رضاه عنهم، أو صرح بمحبتهم، أو دعا لهم بخير، أو خصهم بشيء دون غيرهم، وإن دلت هذه الصور عن شيء فإنما تدل على عظيم محبتهم له، روى الإمام البخاري أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “أنت أحب إلي يارسول الله من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي، فقال له عليه الصلاة والسلام:” لاتكون مؤمنا حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: والذي أنزل عليك القرآن لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن ياعمر تم إيمانك”. وفي السياق نفسه روي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، أتاه ذات يوم وقد تغير لونه وظهر الحزن على وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما غير لونك يا ثوبان؟، فقال: يا رسول الله، ما بي مرض ولا وجع، غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أن لا أراك لأنك ترفع مع النبيئين، وإني إن دخلت الجنة دخلت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا، فنزل قول الله تعالى: “ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا”، فاطمأنت بهذه الآية نفوس المؤمنين جميعا، وأعطوا الدليل على محبتهم لنبيهم بنشر شريعته ونصر دينه، وإحياء سنته.
أيها الإخوة الكرام، ومن الصور الرائعة الرقراقة التي نقلتها لنا كتب الحديث والسيرة النبوية والتي تجلي بلا مزيد بيان، حقيقة محبة الصحابة لرسول الله ما رواه الإمام البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال:” أتى رجل من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: أنت مع من أحببت، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم. وما أكثر صور الحب الحقيقي التي عبر عنها الصحابة الكرام اتجاه رسول الله؟ فتأملوا معي في سيدنا علي رضي الله عنه ينام بدلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في فراشه وهو يعلم أن القوم اجتمعوا لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه قد يموت على الفراش نفسه؟ وتأملوا معي في سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه يعتزل الأذان بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما أذن بطلب من عمر رضي الله عنه عند فتح بيت المقدس لم ير يوما كان أكثر بكاء منه عندما قال: “أشهد أن محمدا رسول الله”، وتأملوا معي في سيدنا أبي بكر رضي الله عنه يقول: “كنا في الهجرة، فجئت بمذقة لبن فناولتها لرسول الله وقلت له: اشرب يارسول الله، يقول أبو بكر : فشرب النبي حتى ارتويت”. هذه بعض صور الحب الحقيقي للجناب النبوي نقلتها لكم لعلكم تتذكرون ولعلكم تقتدون بهؤلاء الكبار في قدرهم وفي محبتهم واتباعهم وتعظيمهم لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم فيافوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ثم الحمد والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد فيا عباد الله، روى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” أشد أمتي لي حبا قوم يكونون أو يجيؤون بعدي يود أحدهم أنه أعطى أهله وماله وأنه رآني”. فهل نحن كذلك؟
أيها الإخوة الكرام، إنه عند التأمل في حالنا وأحوالنا الغالبة في علاقتنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقياس درجة محبتنا له، نجد بأننا ندعي هذه المحبة ادعاء، وأننا لانعرفه كما ينبغي أن نعرفه، وأن تشبثنا بسنته والتزامنا بالدين الذي جاء به وتخلقنا بالأخلاق التي ارتضاها لنا هو تشبث والتزام ضعيف لايرقى لأوصاف الربانيين من العباد، وأن أخلاقنا أيضا غدت في الحضيض، وأننا اشتغلنا وملأنا أوقاتنا بالتفاهات وبأمور كثيرة لاتستحق أن تذكر، وضيعنا أجزاء من أعمارنا في الغفلة عن الهدف الذي من أجله خلقنا وصحبنا أهل الغفلة، وأصبحنا نعيش في أيامنا هذه انحراف السلوك الاجتماعي لأهل المجتمع، حيث تنامت على سبيل المثال لاالحصر جرائم التحرش والاغتصاب الجماعي وتعنيف الأساتذة والمربين وغير ذلك، وغاب دور الأسرة والمدرسة في إعداد الناشئة والشباب، حيث استفحلت الظواهر السلبية في المجتمع، فالشارع والحي والسوق والمسجد والفضاء العام، هي الأماكن التي تعكس الصورة الحقيقية لتديننا ولحقيقة سلوكنا ولمدى معرفتنا برسولنا ومدى محبتنا له ومدى اتباعنا له، إنه لحري بنا ونحن نعيش زمن الثورة التكنولوجية أن نستغلها إيجابيا أيما استغلال في التعرف على سيرة شخص نبينا ومعرفة أخلاقه وشمائله وسننه المهجورة، فهذا هو الطريق الصحيح إلى معرفته ومحبته، أسأل الله تبارك وتعالى أن يغرس محبة الحبيب في قلوبنا وأن يجعلنا من أتباعه وخدام دينه، أمين والحمد لله رب العالمين.