فاكهة المجالس: الغيبة 2

بسم الله الرحمن الرحيم

فاكهة المجالس: الغيبة 2

الأستاذ مولاي يوسف بصير

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، ونهاه عن الغيبة والنميمة والكذب وآفات اللسان، نحمده تعالى ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد، أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء شهيد، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو أقرب إلى عبده من حبل الوريد. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله نشر أعلام التوحيد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان من صالح العبيد، وسلم تسليما كثيرا ما تعاقبت الليالي وتوالت الأزمان،

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات،في الجمعة الماضية تناولنا الحديث عن الغيبة باعتبارها من أكبر آفات اللسان، وباعتبارها ممحقة للأعمال الصالحة التي يتعب الإنسان في الحرص عليها ثم يهدمها بالوقوع في أعراض إخوانه وأخواته من المؤمنين، فتأكل الغيبة حسناته كما تأكل النار الحطب، ويبوء بعد ذلك بالخسران المبين يوم العرض على رب العالمين، واليوم بإذن الله تعالى نواصل الحديث في نفس الموضوع، أيها المؤمنون والمؤمنات، تذكروا قول نبينا ذي الخلق العظيم الذي يرويه أبو برزة الأسلمي (ض) قال: “خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في بيوتهن، قال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته “،

تذكر أخي أن للغيبة مفاسد اجتماعية فهي تفسد القلوب، وتباعد بينها، وتزرع الشرور، وتورث الفتن، وتجر إلى عظيم من الموبقات والمهلكات، وتوقع صاحبها في الندم يوم لا ينفع الندم، وتوسِّع شقة الخلاف، وتنبت الحقد والحسد، وتجلب العداوات بين البيوت والجيران والأقرباء، وتنقص الحسنات، وتزيد بها السيئات، وتقود إلى الهوان والمذلة، وصاحبها ممقوت، وعلى غير الجميل يموت، تنفر منه القلوب، وتكثر فيه العيوب، قد نهى الله تبارك وتعالى عنها في كتابه بقوله: “يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ٱلظَّنّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَٱتَّقُواْٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ “، واعلموا إخواني، جزاكم الله خيرا، أن أشد أنواع الغيبة ضررا بالمجتمع غيبة ولاة الأمور وأهل العلم والفضل والصلاح، التي كثرت في زماننا هذا، وانتشرت بشكل لا يمكن حصره، بسببها وقع  المغتابون في أعراض ذوي الوجاهة والمنزلة ورجال الخاصة والعامة، يحطون من أقدارهم ويجترئون على مقامهم، وينزعون من مهابتهم، ويرفعون الثقة بهم، يطعنون في أعمالهم وجهودهم، ويشككون في قدراتهم وكفاءاتهم، لا يذكر عظيم إلا انتقصوه، ولا يظهر كريم إلا شتموه، ولا يبرز صالح إلا اتهموه، ولا يتميز مسؤول إلا مقتوه، يمشون بالكذب والتدليس، والمغالطة والتشويش، يتهمون الثقات، ويقعون في الصالحين، يبعثون الفتن، ويزرعون الإحن، ويبلبلون على العامة، يقطعون الصلات، ويفرقون الجماعات، غِربان بَيْنٍ، ونُذُر شؤم، حمَّالو الحطب، ومشعلو اللهب، يوزعون الاتهامات، ويتتبعون المعايب، أعينهم غمازة، وألستهم همازة، والكلمات منهم لمازة، مجالسهم شر، وصحبتهم ضر، وفعلهم عدوان، وحديثهم بذاء.

أيها الإخوة المؤمنون، يقول بعض السلف: أدركنا السلف الصالح وهم لا يرون العبادة في الصوم والصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس. والدواء لمن أصيب بمرض الغيبة سهل ميسر أوله: الالتجاء إلى الله والافتقار إليه ودعاؤه سبحانه بأن يقينا شرور أنفسنا، فإن الأحمق منا من يثق بنفسه ويزكيها ويبرئها من العيوب، والله تعالى يقول: “إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِٱلسُّوء”، فعلينا أن لا يفتر لساننا عن الدعاء بالشفاء لهذه النفس من أمراضها، فقد روى الإمام أحمد أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم كان يقول: “اللهم قني شر نفسي، واعزم لي على أرشد أمري”، وروى كذلك عن أمنا عائشة (ض) قالت: افتقدت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ذات ليلة فوجدته ساجدًا يقول: “اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها”، فاللهم إنك تعلم ذنوبنا فاغفرها، وعيوبنا فاسترها، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

أما بعد، فيا أيها المؤمنون، والعلاج الثاني لداء الغيبة بعد الدعاء والتوجه إلى الله هو تعظيم هذا الذنب، وتذكير النفس بأنه من أفظع العيوب في حق المسلم، قال الفضيل: “بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله”، وليعلم المغتاب أنه بالغيبة يتعرض لسخط الله ومقته وغضبه، وكيف يأمن على نفسه وهو يسمع قوله تعالى: “فَلَمَّا ءاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ”، فبقاؤك وإصرارك على الغيبة أعظم من الغيبة، وفرحك وسرورك بالغيبة أعظم من الغيبة، وضحكك وأنت لا تدري ما الله فاعل بك أعظم من الغيبة. ثالثا: التزام الصمت، فإن الكلمة لك ما لم تخرج من بين شفتيك، فإذا خرجت كانت عليك، وفي الحديث الصحيح: “من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة”، وقال معاذبن جبل (ض)  للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فذكر له النبي شعائر الدين ثم قال له: “ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه وقال: “كف عليك هذا”، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟‍ فقال صلى الله عليه وسلم: “ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم ، أو قال:  على مناخرهم ، إلا حصائد ألسنتهم؟!” رابعا: الاهتمام بالنفس وعدم الاهتمام بالناس، فقد روى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة (ض) مرفوعًا: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، فما يعنيك أخي المسلم بحال إخوانك باعوا أو اشتروا أو تزوجوا… وهذا الأمر يقصد به الرجال والنساء معًا، فقد كان الفضول قديمًا من صفاتهن، ولكن كثير من الرجال أشبهوهن في ذلك، ** ولا عجب أن النساء ترجلت **  ولكن تأنيث الرجال هو العجيب.ولنا عودة لهذا الموضوع في الجمعة المقبلة إن شاء الله.الدعاء

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *