زاد رمضان

إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَهْدِيهِ ونَشْكُرُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيْه، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا ومِنْ سَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ولا شَبِيهَ ولا مِثْلَ ولا نِدَّ لَه، ولا حَدَّ ولا جُثَّةَ ولا أَعْضاءَ لَه، أَحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد، وأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وحَبِيبَنا وعَظِيمَنا وقائِدَنا وقُرَّةَ أَعْيُنِنا محمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وصَفِيُّهُ وحَبِيبُهُ، مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ هادِيًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرا. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلى سَيِّدِنا محمَّدٍ وعَلى ءالِهِ وصَفْوَةِ صَحْبِه.

أَمّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ وأَسْتَفْتِحُ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ وإِنَّ خَيْرَ الكَلامِ كَلامُ الله. يَقُولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (۱۸٥)﴾

احبتي في الله

إن الإنسان في هذه الحياة الدنيا لن يعمَّر، ولن يبقى، فهو موجود من العدم، وصائر إلى العدم، وإن الساعات التي تمر بالإنسان في هذه الدنيا كأنها لحظات، بل هي لحظات: لحظة تتلوها لحظة، وهكذا إلى أن يصل الإنسان إلى آخر نهايته، وهذا أمر يشعر به كل واحدٍ منا.قال ابن مسعود رضي الله عنه : ( ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه , نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي ) .

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن مجاهد قال: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم فانظر ماذا تعمل فيّ، فإذا انقضى طواه، ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذي يَفُضُّ ذلك الخاتم يوم القيامة، ويقول اليوم حين ينقضي: الحمد لله الذي أراحني من الدنيا وأهلها، ولا ليلةٍ تدخل على الناس إلا قالت كذلك.

وعن عمر بن ذر أنه كان يقول: اعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده، فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار، والمحروم من حرم خيرهما، وإنما جُعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيا القلوب بذكر الله.

لقد مضى على رمضان العام الماضي اثنا عشر شهراً برمضان، يعني: بعد رمضان أحد عشر شهراً كلها مضت، ومع ذلك فكأنها أحد عشر ساعة، وما هي إلا لحظات زالت، وهكذا أيضاً ما بقي من أعمارنا سوف يزول بهذه السرعة، إذاً فالواجب علينا -أيها الإخوة- أن ننتهز هذه الفرصة، أن ننتهز فرصة وجودنا في الدنيا حتى نعمل للآخرة، والعجب أن الذي يعمل للآخرة ينال الدنيا والآخرة، والذي يعمل للدنيا يخسر الدنيا والآخرة، لا أقول ذلك من عند نفسي ولكني أقول ذلك بكتاب الله، قال الله عز وجل: { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل:97] الحياة الطيبة الدنيا { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل:97] في الآخرة.

أما عكس ذلك فاستمع: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً } [الكهف:103-105]. حاسب نفسك وعد عيوبك

فإذا علمنا هاتين الحقيقتين، وهما: أولاً: سرعة الدنيا وزوالها، وأنها تمضي لحظة بعد أخرى، حتى يأتي الإنسان الموت، وعلمنا أيضاً أن الكاسب والرابح هو المؤمن، وأن من لم يكن مؤمناً عاملاً بالصالحات فهو خاسر، استدللنا لذلك بالواقع وبكتاب الله عز وجل، فإنه جدير بنا أن ننتهز فرصة وجودنا في هذه الدنيا لأننا لابد أن ننتقل، لابد أن نُذكر كما كنا نَذكر غيرنا، الذين كانوا من قبلنا وأدركناهم، كانوا يتحدثون كما نتحدث، ويخبرون كما نخبر، وأصبحوا الآن خبراً من الأخبار.

إذا فلننتهز هذه الفرصة لا سيما في المواسم، مواسم الخيرات التي جعلها الله لعباده، كالأسواق التجارية بل هي التجارة حقيقة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الصف:10-11].

علينا أن ننتهز هذه الفرصة، رمضان متى يأتي؟ ربما يموت الإنسان قبل أن يدركه رمضان الثاني، كما تعلمون أن هناك أناساً كانوا معكم في العام الماضي الآن هم في قبورهم مرتهنون بأعمالهم، لا يملكون أن يزيدوا حسنة في حسناتهم ولا أن ينقصوا سيئة من سيئاتهم، هذا الذي مر عليهم ربما يمر عليك، بل قطعاً سيمر عليك، لكن ربما يمر عليك قبل أن يعود إليك رمضان.

عباد الله

إن بلوغ رمضان نعمة كبيرة على من بلغه وقام بحقه بالرجوع إلى ربه من معصيته إلى طاعته , ومن الغفلة عنه إلى ذكره , ومن البعد عنه إلى الإنابة إليه .يقول ابن رجب رحمه الله : وجعل الله سبحانه وتعالى لبعض الشهور فضلاً على بعض، كما قال تعالى: { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } وقال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} وقال تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وأقسم بالعشر وهي عشر ذي الحجة على الصحيح (وما في هذه المواسم الفاضلة موسمٌ إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعته، يُترَّب بها إليه، ولله فيه لطيفة من لطائف نفحاته، يصيب بها من يعود بفضله ورحمته عليه، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات

روى الطبراني من حديث محمد بن مسلمة مرفوعًا: “إن لله في أيام الدهر نفحات فتعرضوا لها، فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدًا” (صحيح الجامع).

وانظر كيف كان السلف يقولون إذا جاء رمضان:

يقول عبد العزيز بن مروان: كان المسلمون يقولون عند حضور شهر رمضان: اللهم قد أظلنا شهر رمضان، فسلمه لنا وسلمنا له، وارزقنا صيامه وقيامه، وارزقنا فيه الجد والاجتهاد والقوة والنشاط، وأعذنا فيه من الفتن.وقال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر: أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر: أن يتقبله منهم.وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: «اللهم سلِّمني إلى رمضان وسلم لي رمضان، وتسلَّمه مني متقبلا» .

أحبتي في الله

إن استحضار أنواع الطاعات وتقييدها وتوطين العزيمة على أدائها في رمضان من أهم ما يُستعدُّ له في هذا الشهر، وعلى هذا الأصل تحمل كل النصوص الواردة في فضل رمضان والاجتهاد فيه، فمعظمها صريح أو ظاهر في أنه قيل قبل رمضان أو في أوله.

وإن كثيرا من الناس يعقد الآمال بفعل جملة من الطاعات في شهر رمضان فإذا ما أتى الشهر (أصبح خبيث النفس كسلان) وذلك لأنه لم يحل عقدة العادة والكسل والقعود. ولأنه ما عقد العزم ولا شحذ الهمة والعزيمة لغتنام هذا الشهر،

والعزيمة لا تكون إلا فيما لا تألفه النفوس أو لا تحبه فتحتاج النفس إلى المجاهدة في معرفة فضل ذلك العمل المكروه إليها ثم في مجاهدة وإرادات العجز والكسل، ولذلك قال الله عن الجهاد: { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ …}.وتمارين العزيمة من صميم القيام بحق شهر رمضان وتحصيل المغفرة فيه لأنه لا قوة للنفس ما لم تُعد العدة للطاعة قال تعالى: { وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُم فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ }

احبتي في الله

لقد فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا في حقيقة الدنيا، ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وتناءت قلوبهم من مطامعها، وارتفعت همتهم على السفاسف فلا تراهم إلا صوامين قوامين، باكين والهين، ولقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشي بعلو همتهم في التوبة والاستقامة، وقوة عزيمتهم في العبادة والإخبات، وهاك طرفًا من عباراتهم وعباداتهم التي تدل على تشميرهم وعزيمتهم وهمتهم:

قال الحسن: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره.

وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل

وقال الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان التركستاني: ما بلغني عن أحد من الناس أنه تعبد عبادة إلا تعبدت نظيرها وزدت عليه.

واجتهد أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه – قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق؟ فقال: عن الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأسَ مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلها أقلُّ من ذلك، قال: فلم يزل على ذلك حتى مات.

وعن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: ما رأيت أحدًا أكثر صلاة ولا صيامًا منه ولا أحدًا أشد فرقًا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه ثم ينتبه فلا يزال يبكي تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينفض العصفور من الماء ويجلس يبكي فأطرح عليه اللحاف.

وعن المغيرة بن حكيم قال: قالت فاطمة بنت الملك: يا مغيرة، قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر ابن عبد العزيز ولكني لم أر من الناس أحد قط كان أشد خوفًا من ربه من عمر، كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده، فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه، ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته جمعاء.هؤلاء هم أنموذج السالكين الصادقين.فتشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم لإن التشبه بالكرام فلاح.

واعلموا حفظكم الله أن  ليس هناك أشأم على السائر إلى الله من البطانة وصحبة السوء ، فالصاحب ساحب، والقرين بالمقارّن يقتدي.فلابد لمن أراد تحصيل المغفرة من شهر رمضان أن يترك المُخْلِدين إلى الأرض ويرافق  ذوي الهمم العالية كما قال الجنيد: سيروا مع الهمم العالية.وقد أمر الله خير الخلق – صلى الله عليه وسلم – بصحبة المجدّين في السير إلى الله وترك الغافلين فقال عز من قائل :

{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا }. فلو صحب الإنسان من يظنون أن قيام الساعة من الليل إنجاز باهر فهو مغبون لن يعْدُو قدره، بل سيظل راضيًا عن نفسه مانًّا على ربه بتلك الدقائق التي أجهد نفسه فيها ولكنه لو رأى الأوتاد من حوله تقف الساعات الطوال في تهجد وتبتل وبكاء (وهم مُتَقَالُّونْهَا) فأقل أحواله أن يظل حسيرًا كسيرًا على تقصيره .

ولقد كان من وصايا السلف انتقاء الصحبة، قال الحسن البصري: إن لك من خليلك نصيبًا، وإن لك نصيبًا من ذكر من أحببت، فاتقوا الإخوان والأصحاب والمجالس.

فاجتهد أيها الأريب باحثًا عن أعوان المسير أصحاب الهمم العالية، ابحث عنهم في المساجد بالضرورة، اسأل عنهم في مجالس التقاة، فمع هذه الصحبة تتحاثون على تدارك الثواني والدقائق، تحاسبون أنفسكم على الزفرات والأوقات الغاليات، لو فرط أحدكم في صلاة الجماعة وجد من يستحثه على عقاب نفسه كما كان يفعل ابن عمر.

اخي الحبيب تعال أخبرْك بحال من اجتمعوا على السير إلى الله: أوقاتهم بالذكر وتلاوة القرآن معمورة، مساجدهم تهتز بضجيج البكاء من خشية الله، تراهم ذابلين من خوف الآخرة، وعند العبادة تراهم رواسي شامخات كأنهم ما خلقوا إلا للطاعة، ليس في قاموسهم: فاتتني صلاة الجماعة، تراهم في قيامهم وقعودهم مطأطئين على حياء من الله يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.

الخطبة الثانية

لحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أشهد أن لا إله إلا الله حقاً، خلق فسوى، وقدر فهدى، هو الرحمن الرحيم، رب السماوات والأرضين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، الرحمة المهداه، البشير والنذير، والسراج المنير، صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، وذريته، وأزواجه، وخلفائه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

احبتي فب الله انصحكم ونفسي

أن نقوم بإعداد بيان عن عيوبنا  وذنوبنا المستعصية وعاداتنا السيئة القارة في سويداء فؤادنا لنبدأ علاجها جديا في رمضان وكذا إعداد قائمة بالطاعات التي سنجتهد في أدائها لنحاسب أنفسنا بعد ذلك عليها قال – صلى الله عليه وسلم -: “إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا” رواه البخاري.

ولنتذكر احبتي أن شهر رمضان هو شهر العزائم وشهر إعادة النظر في سلوكياتنا وعاداتنا وخصوصا منها السيئة ،  انه الشهر الذي  يفترض فيه أن يقف كل واحد منا وقفة تأمل ومحاسبة للذات وللأفعال انه الشهر الذي يجب أن يساؤل فيه المرء  نفسه عما قام به من أعمال  الخير  ومن الاعمال الصالحة  الجليلة مند أن انصرم رمضان الماضي .

فهل استمرينا في ارتياد المساجد وملؤها ؟ هل اقلعنا عن أفعال الشر وهل صنا أنفسنا وأهلينا  ؟ وهل امتنعنا هذه الخوض في أعراض بعضنا ؟ هل كنا صادقين مع أنفسنا ومع الله ؟  الم نؤدي أحدا أو نظلم أحدا أو نسئ إلى أحد ؟ ليسأل كل واحد منا نفسه منذ آخر رمضان هل أنا راض عن نفسي سواء  في علاقتي بالناس وقبلهم برب الناس ؟

أخي في الله

فإذا كنت مدخنًا أو مبلتى بالنظر في عورات الناس والى ما لدى الناس  أو الوسوسة أو العشق الحرام   إذا كنت أخي مبتلى بالمعاصي وبالفواحش من كذب ورياء ونميمة وقطع رحم وأكل حرام ولبس حرام وزنا بالفعل وبالنظر  وغيرها من الموبقات  فبادر إلى تقييد كل هذا البلاء وابدأ العمليات الجراحية في شهر رمضان ولا تتذرع بالتدرج ، بل اهجر الذنب وقاطع المعصية وابتُر العادة ولا تجزع من غزارة النزيف وشدة الآلام، فإنه ثمن العلاج الناجح، وضرورة الشفاء الباتّ الذي لا يغادر سقمًا.

وإذا كان  شهر رمضان فرصة سانحة لعلاج الآفات والمعاصي والعادات، فإنه أيضا شهر حمية أي امتناع عن الشهوات (طعام وجماع) والشهوات مادة النشوز والعصيان، كما أن الشياطين فيه تصفّد وهم أصل كل بلاء يصيب ابن آدم، أضف إلى ذلك: جماعية الطاعة، حيث لا يبصر الصائم في الغالب إلا أمةً تصوم وتتسابق إلى الخيرات فتضعف همته في المعصية وتقوى في الطاعة، فهذه عناصر ثلاثة مهمة تتضافر مع عزيمة النفس الصادقة للإصلاح فيتولّد طقس صحي وظروف مناسبة لاستئصال أي داء.

وما لم تتحفّز الهمم لعلاج الآفات في هذا الشهر لن تبقى فرصة لأولئك السالكين أن يبرأوا، فمن حرم بركة رمضان ولم يبرا من عيوب نفسه فيه، فأي زمان آخر يستظل ببركته.

اللهم أجعل أيام شعبان وأواخر شعبان جابرة للقلوب، ساترة للعيوب، ماحية للذنوب، مفرجه للكروب وفرصة لكل عاص لكي يتوب .اللهم شوقنا لشهرك الكريم و لا تحرمنا نحن وأحبتنا من صيامه وقيامه .اللهم بلغنا رمضـان لا فاقديــــن ولا مفقوديــن

هذا، وصلّوا وسلّموا على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال جل في علاه “إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً”

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك وحبيبك نبينا محمد، وارض اللهم عن أمهات المؤمنين، وسائر الصحابة والتابعين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين. اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.

اللهم وفق ملك البلاد أمير المؤمنين محمد السادس لما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم كن له معينا ونصيرا وأعنه وانصره على أعدائه وأعداء المغرب . اللهم امدده من عندك بالصحة و العزم و القوة و الشجاعة والحكمة و القدرة و التوفيق لما فيه مصلحة العباد و البلاد و الأمة الإسلامية قاطبة، و اجعله لدينـــــــــــك  و لأمتك ناصراً ، و لشريعتك محكماً .. اللهمّ خذ بيده، وّ احرسه بعينيك الّتي لا تنام، وأحفظه بعزّك الّذي لا يضام، وأيِّده بالحق وارزقه البطانة الصالحة يا ذا الجلال والإكرام.وأحفظه اللهم في ولي عهده الأمير الجليل مولاي الحسن وشد أزره بأخيـــــــه المولى رشيد وسائر الأسرة العلوية  المجيدة .

.اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة واجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه..

اللهم ابلغنا رمضان و وفقنا فيه للصيام و القيام ، و اجعلنا فيه من عتقائك من النار برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللهم بلغنا رمضان وارزقنا صيامه و قيامه و تلاوة القرآن فيه اللهم اجعل صيامنا فيه صياماً مقبولا و قيامنا فيه لوجهك الكريم و نبهنا فيه عن نومة الغافلين و هب لنا فيه اليسر و العافية إنك على كل شئ قدير اَللّهُمَّ قَرِّبْنا فيهِ اِلى مَرضاتِكَ ، وَجَنِّبْنا فيهِ مِن سَخَطِكَ وَنَقِماتِكَ ، وَ وَفِّقنا فيهِ لقراءة آياتك ، بِرَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرّاحمينَ . اَللّهُمَّ قَوِّنا فيهِ عَلى إقامة أمرك ، وَ أذقنا فيهِ حَلاوَةِ ذِكْرِكَ ، وَ أوزعنا فيهِ لِأداءِ شُكْرِكَ بِكَرَمِكَ ، وَاحْفَظْنا فيهِ بِحِفظِكَ و َسَتْرِكَ يا أبصر النّاظِرينَ . للّهُمَّ اجعَلنا فيه رمضان  مِنَ المُستَغْفِرينَ ، وَ اجعَلنا فيهِ مِن عِبادِكَ الصّالحينَ القانِتينَ ، وَ اجعَلنا فيهِ مِن أوليائك المُقَرَّبينَ ، بِرَأفَتِكَ يا اَرحَمَ الرّاحمينَ


اَللّهُمَّ لا تَخْذُلنا فيهِ لِتَعَرُّضِ مَعصِيَتِكَ ، وَلا تَضرِبنا بِسِياطِ نَقِمَتِكَ ، وَزَحْزِحنا فيهِ مِن موُجِبات سَخَطِكَ بِمَنِّكَ وَ كرمك  يا مُنتَهى رَغْبَةِ الرّاغِبينَ اَللّهُمَّ أعنا فيهِ عَلى صِيامِهِ وَ قِيامِهِ ، وَجَنِّبنا فيهِ مِن هَفَواتِهِ وآثامه ، وَارْزُقنا فيهِ ذِكْرَكَ بِدَوامِهِ ،بِتَوْفيقِكَ يا هادِيَ المُضِّلينَ .
اَللّهُمَّ ارْزُقْنا فيهِ رَحمَةَ الأَيْتامِ وَ إطعام الطَّعامِ وإفشاء وَصُحْبَةَ الكِرامِ بِطَوْلِكَ يا ملجأ الأمِلينَ اَللّهُمَّ اجْعَل لنا فيهِ نَصيباً مِن رَحمَتِكَ الواسِعَةِ ، وَ أهدنا فيهِ لِبَراهينِكَ السّاطِعَةِ ، وَ خُذْ بنواصينا  إلى مَرْضاتِكَ الجامِعَةِ بِمَحَبَّتِكَ يا أمل المُشتاقينَ.


اَللّهُمَّ اجْعَلنا فيهِ مِنَ المُتَوَكِلينَ عَلَيْكَ ، وَ اجْعَلنا فيهِ مِنَ الفائِزينَ لَدَيْكَ ، وَ اجعَلنا فيه مِنَ المُقَرَّبينَ إليك بإحسانك يا غايَةَ الطّالبينَ


اَللّهُمَّ حَبِّبْ إلينا فيهِ الْإحسانَ ، وَ كَرِّهْ إلينا فيهِ الْفُسُوقَ والفجور والزنا وَ العِصيانَ وَ حَرِّمْ علينا فيهِ السَخَطَ وَالنّيرانَ بعَوْنِكَ ياغياثَ المُستَغيثينَ

. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.


مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *