رجب شهر الله المحرم
رجب شهر الله المحرم
الأستاذ مولاي يوسف المختار بصير
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل مكان، يسأله من في السماوات والأرض، كل يوم هو في شأن، جعل عدة الشهور إثنا عشر شهرا منها أربعة حرم في السنة والقرآن، وهي ذو القَعدة وذو الحجة ومحرم ورجب شهرنا هذا الذي بين جمادى وشعبان، نحمده تعالى ونشكره على الدوام، ونشهد أن لا إله إلا الله الملك القدوس السلام، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق فيما أخبر به عن رب الأنام، اللهم ﷺوعلى آله وأصحابه الكرام، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:قال الله عز وجل في محكم التنزيل: “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ“، بمعنى لا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر بحرمانها من اكتساب الطاعات والأجور على خالص الأعمال، وإن أجمل ما يغبط عليه المؤمن، وخير ما يتمنى المسلم لنفسه ولأخيه المسلم، ويرجو له التشبع والتزود منه هو أن يراه جادا في طاعة الله مشغولا قلبه ولسانه وفكره وسائر جوارحه بما فيه مرضاة الله، ومن نعم الله علينا أن الله سبحانه وتعالى قد أفسح لنا المجال وهيأ لنا مختلف الفرص للتزود منها على كل حال، أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات، الملاحظ في زماننا هذا، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تداول رسائل مصنوعة ومنمقة، حول التبشير بأفضلية هذه الشهور وتخصيصها بأذكار وأوراد من الصلوات والصيام وقيام الليالي بتسبيحات خاصة، وأدعية لكل يوم، ونسبة هذه الأعمال إلى سيدنا رسول الله ﷺ، والناس بطبيعتهم الميالة إلى مشاركة إخوانهم في هذه الفضائل لا يتورعون عن إرسالها هم بدورهم إلى أحبابهم وأقاربهم ومعارفهم، طمعا في الحصول على ثواب الدال على الخير كفاعله، وما علم هؤلاء أن جل ما يتداولونه كله مكذوب وافتراء على رسول الله ﷺ، وهو لعمري من أعظم الظلم الذي حذر الله تعالى منه لما قال عن هذه الأشهر الحرم في كتابه المبين: “فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ“، أي لا تظلموا أنفسكم بارتكاب المعاصي، وكذلك لا تظلموا أنفسكم بترك الطاعات، ومن أكبر المعاصي أن يتجرأ المسلم على الكذب على رسول الله ﷺ، أو أن يبتدع في دين الله ما ليس منه، و شهر رجب أيها المؤمنون، لا يخلو أن يكون أحد الأشهر الحرم التي كان الجاهليون الأولون يعظمونها، ويعملون فيها من الأعمال ما يخلد ذكراها، فكانوا يضعون السيوف في أغمادها، وتضع الحرب فيها أوزارها، فلا يحاربون بعضهم أو غيرهم تكريما لها، حتى تكون الأيام سلما والبلاد أمنا، والنفوس مطمئنة مستقرة، وجاء الإسلام فأبقى لهذه الأشهر الحرم فضلها، وأضفى عليها من ألوان الخير والبر والإحسان ما يرفع شأنها ويحيي في نفوس الناس آثارها، لذا فإن المطلوب منا معشر المسلمين أن نغتنمها في التقرب إلى الله، وفي إقامة شرع الله، والتنافس في الخيرات والمبرات كل على قدر استطاعته، اغتناما للفرص قبل فوات الأوان، وأن يولي كل واحد منا وَجهه وِجهَة العمل الصالح دائما، سواء في الأشهر الحرم أوفي غيرها، يغتنم من الأعمال ما يرجح ميزان حسناته، ويضاعف أجره على صالح أعماله، ويمحو بها ما كان من تفريط أو إخلال في سابق أجله،اقتداء واهتداء بحبيبنا المصطفى ﷺالذي يقول: “كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”، فموائد العمل الصالح في هذه الأشهر الحرم مهيأة، ولمن يرغب فيها ويجد في طلبها حاضرة قطوفها دانية، وألوانها متنوعة شهية، فمن رغب عن لون منها وجد في غيرها بغيته وضالته، وقد رغب الشارع في استغلال مواسم الخير في التنافس في الأعمال الصالحة التي تزيد في تقرب العبد لمولاه عزوجل وعلى رأسها الصلاة، التي هي عماد الدين، والتي فرضها الله على الأمة ليلة الإسراء والمعراج في شهر رجب، وكذلك الإكثار من النوافل، فإنها من أفضل القربات، قَالَ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ: “لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺفَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، أَوْ قَالَ: قُلْتُ: بِأَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺفَقَالَ: “عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً”، ثم من أنواع الطاعات الصيام، لدخوله في الأعمال الصالحة، ومن الأعمال الصالحة كذلك، التي ينبغي التقرب إلى الله تعالى بهاإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والتصدق بالمال على الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام، ورعاية حقوق الجار التي أكد عليها رسول الله ﷺحين قال: “مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”، ومنها أيضا القيام بحقوق الأبناء والزوجة، وكل عمل صالح تمتد به يدك أيها المؤمن لإخوانك وأخواتك من المسلمين والمسلمات، ومن الآدميين من حولك، كل ذلك يعتبر من المبرات التي ينجي المؤمن نفسه بها من الموبقات، فاللهم وفقنا للعمل بكتابك، واهدنا لإقتفاء سنة نبيك، وألهمنا السداد والرشاد، واهدنا الصراط المستقيم، واحشرنا في زمرة النبيئين والصديقين، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب، آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
أما بعد،أيها الإخوة المؤمنون أيها الإخوة المؤمنون، ينبغي أن نعلم جميعا أن شهر رجب ليس مخصوصا بأي عمل، ولم يثبت عن سيدنا رسول الله ﷺ، ولا عن السلف الصالح (ض)، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، تخصيص شهر رجب بعبادة أو طاعة معينة، وكل من اعتقد ذلك فقد خالف وابتدع في الدين ما ليس منه، لذا فالمطلوب منا جميعا، ان نبين هذا لأسرنا وأبنائنا وأقاربنا، وأن نوقف الترويج لهذه البدع والضلالات التي نتوصل بها كل يوم، وخاصة ليلة الجمعة، تدعو إلى صلاة مخصوصة، أو صيام مخصوص، أو أذكار معدودة مخصوصة، وكل هذه الأمور وإن كانت من أنواع الطاعات فإنهالا تفسير لها سوى أنها تهدف إلى إبعاد الأمة عن أصول الدين، وجعل الناس يعتقدون اعتقادات خاطئة، وانتحال أقاويل وأكاذيب موضوعة مغلوطة ينسبونها لنبينا ﷺ، الذي ما فارق الدنيا حتى شهد الله له بإكمال الدين وتبليغه العالمين في قوله وهو أصدق القائلين: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا“، ولنا في الجمعة المقبلة إن شاء الله تعالى وقفة مع أهم حدث حصل في رجب ألا وهو حدث الإسراء والمعراج، وإلى ذلكم الحين، استمسك وإياكم بوصية رب العالمين، حين ندبنا للإكثار من الصلاة والتسليم على أشرف الورى وسيد المرسلين ﷺ في قوله المبين: “إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما“، الدعاء