خطبة طول الأمل والتشبث بالدنيا والحرص على الحياة
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، وأحثكم على ذكره.
أما بعد فيا عباد الله، يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في معرض النعي على بني إسرائيل حرصهم على الحياة وطول الأمل فيها: ” ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون”، وروى الإمام البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خطوطا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: هذا الإنسان وهذا أجله محيط به أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا”، والمراد بالأعراض الآفات العارضة له، فإن سلم من هذا لم يسلم من هذا، وإن سلم من الجميع ولم يصبه آفة من مرض أو فقد مال أو غير ذلك بغته الأجل، والشاهد أن الإنسان تتجاوز آماله حدود أجله، ويخترمه أجله دون أمله.
أيها الإخوة الكرام، في خطبة هذا اليوم سنتعرض بحول الله تعالى لموضوع مهم له علاقة بكل واحد منا وهو يعيش أطواره في هذه الحياة الدنيا، فبقدر ما يتفضل الله علينا من نعمه وخيره، وبقدر مانتمكن في هذا الأرض من وسائل العيش والمتعة ونروح ونجيئ فيها، بقدرما نتشبث بالحياة ونتمنى أن نبقى أحياء طول الدهر، وهذا ما لا يمكن ويعد من قبيل المستحيل، ويصل بنا الأمر إلى الغفلة عن الله وعن الأجل وننسى أن هنالك واجبا، وأن هنالك محظورا منهيا عنه، وفي بعض الأحيان ننسى أن هنالك إلها نحن مأمورون بعبادته، أو أن هنالك موتا أو أن هنالك حسابا، وهذا هو الأمل القاتل، وهذا الأمر مطبوع في جميع بني آدم، ولولاه ما تهنى أحد بعيش، ولا طابت نفس أن تشرع في عمل من أعمال الدنيا، وإنما المذموم منه الاسترسال فيه، وعدم الاستعداد لأمر الآخرة، فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته، فموضوعنا اليوم هو داء طول الأمل، والكثير من العلماء العاملين يعدونه من الأصول التي لابد من ذكرها في علاج أمراض القلب الخفية، والحاجة إليه ماسة ولا غنية عنه البتة في شأن العبادة، والتي هي مداحض ومزالق العابدين وآفات المجتهدين، وهي فتن القلوب وبليات النفوس تعوق وتشين وتفسد وتتلف، حيث تعتبر العائق عن كل خير وطاعة والجالب لكل شر وفتنة، ويعد الكثيرون طول الأمل بمثابة الداء العضال الذي يوقع الخلق في أنواع البليات والمحن، وبذلكم فبعد أن تكلمنا في هذه المقدمة عن بعض مظاهر وتجليات طول الأمل في حياتنا اليومية ونبهنا على خطره وضرره بشكل عام، فإننا سنتطرق لمعنى هذا الداء وأسبابه وطرق علاجه، ونرجئ الكلام عن فوائد قصر الأمل وحالات السلف الصالح مع قصر الأمل إلى خطبة لاحقة بحول الله تعالى.
أيها الإخوة الكرام، إن الناظر بعين فكره وقلبه لحال الغالبية من الناس يجدهم في أسر الأمل وحبسه، تجد الغالبية من الذين مكن الله لهم في الأرض وبخاصة من الشاردين عن طريق الله يتشبثون بالحياة ويكرهون أمرا محتوما يقال له الموت، سئل أحد السلف لماذا يحب الناس الحياه ويكرهون الموت؟ فقال: لأن الناس قد خربوا أخراهم وعمروا دنياهم، فهم يكرهون أن ينتقلوا من دار العمران إلى دار الخراب، فلا نخرب آخرتنا، لأننا حتما سنذهب إليها، بل ينبغي أن نعمرها بكثرة الطاعات، ولله در الحكيم عندما قال: نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع، والأمل معصية محضة خالصة كما قال الكثير من الربانيين، فما معنى الأمل وماهي أسبابه وطرق علاجه ؟
الأمل أيها الإخوة والأخوات هو إرادة الحياة والبقاء لجمع الدنيا والتمتع بها، وقال الأكثرون: والأمل هو توقع حصول الشيء وأكثر مايستعمل فيما يبعد حصوله، فمن عزم على سفر إلى بلد بعيد يقول: أملت الوصول، ولا يقول طمعت إلا إن قرب منها، فإن الطمع ليس إلا في التقريب، والرجاء بين الأمل والطمع، فإن الراجي قد يخاف ألا يحصل مأموله، ويقال لما في القلب مما ينال من الخير أمل، ومن الخوف إيحاش، ولما لا يكون لصاحبه ولا عليه خطر، ومن الشر وما لاخير فيه وسواس، وقصره حبس النفس عنه، يقال: قصرت نفسي عن هذا الأمر: إذا لم يطمح إلى غيره وقصرت من طرفي لم أرفعه إلى مكروه.
أيها الإخوة الكرام، وبخصوص أسبابه، فطول الأمل له سببان: أحدهما الجهل والآخر حب الدنيا، أما حب الدنيا فهو أنه إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه عن الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، وكل من كره شيئا دفعه عن نفسه لامحالة والإنسان مشغوف بالأماني الباطلة، فيمني نفسه أبدا بما يوافق مراده، وإنما يوافق مراده البقاء في الدنيا، فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء وسيارات وملابس وبساتين وعقارات وسائر أسباب الدنيا، فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا عليه وحبسا لديه، فيلهو عن ذكر الموت فلا يقدر قربه، فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوف ووعد نفسه، وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا والأنس بها والغفلة عن معنى ما رواه الإمام مالك وغيره عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ” يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ”.
وأما الجهل فإن الإنسان قد يعول على شبابه، فيستبعد قرب الموت مع الشباب وليس يتفكر المسكين أن مشايخ مدينته أو قريته لو عدوا لكانوا أقل من ألف أو مائة من رجال البلد، وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب، وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعده فجأة، ولا يدري أن ذلك غير بعيد، وإن كان ذلك بعيدا فالمرض فجأة غير بعيد، وكل مرض فإنما يقع فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا، ولو تفكر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص لعظم استشعاره واشتغل بالاستعداد له، ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا طلباه إلى طول الأمل وإلى الغفلة من تقدير الموت القريب، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد فيا عباد الله، قال تعالى: “الر تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون”، أي ذرهم يأكلوا و يتمتعوا و يلههم الأمل عن التوبة والإنابة، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم.
أيها الإخوة الكرام، وإذا عرفتم أن سبب طول الأمل الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه، أما الجهل فيدفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر، وبسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة، وأعظم من هذا وذاك أن يعلم الإنسان أنه لو متع من السنين، ثم انقضى ذلك المتاع، وجاءه العذاب، أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه شيئا بعد انقضائه وحلول العذاب محله، وقد أوضح الله جل جلاله هذا المعنى في كتابه العزيز فقال :” أفبعذابنا يستعجلون أفرايت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون”، وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد، وهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجه، ولاعلاج له إلا بالإيمان باليوم الآخر، وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب، ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا، فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير، فإن وصل الإنسان إلى أن يرى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة، امتنع أن يلتفت إلى الدنيا كلها، وإن أعطي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب، ولا علاج في تقدير الموت في القلب إلا أن يفرغ قلبه عن كل فكر سواه ويجلس مع نفسه، ويباشر ذكر الموت عميم قلبه، ولا أنفع في ذلك مثل النظر إلى من مات من الأقران والأشكال، وأنهم كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوا، ويتذكر مرضهم وأملهم وركونهم إلى الدنيا والجاه والمال ثم يتذكر مصارعهم وتحسرهم على فوات العمر وتضييعه، أما من كان مستعدا لمجيئه فقد فاز فوزا عظيما، وأما من كان مغرورا بطول الأمل فقد خسر خسرانا مبينا.
وأختم بهذه القصة التي رواها الإمامان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه، فقل له يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب ثم مه؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر” ، ونبينا صلى الله عليه وسلم لما خير بين الخلود في الدنيا ولقاء ربه، آثر لقاء ربه، وقال: “اللهم الرفيق الأعلى”، فنسأل الله تعالى أن يرينا الدنيا كما أراها عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين.