حقوق وواجبات المربي والتلميذ
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك،
وأشهد أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا،
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى وأحثكم على ذكره.
أما بعد فيا عباد الله، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه: “لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم”.
أيها الإخوة الكرام، في الجمع الماضية تناولنا الحديث عن الدخول المدرسي، وعن فضل العلم والتعلم وقدمنا بعض الصور الواقعية لما كابده السادة العلماء في تحصيل العلم،كل ذلك لنشحذ همم الطلاب والراغبين في العلم لتجديد العزم والإرادة على التحصيل الجيد،
واليوم بإذن الله تعالى نواصل الحديث عما يجب من الاحترام لهيئة التعليم والتكوين الذين هيئتهم سنة الحياة الكونية ليأخذ المتقدم منهم بيد المتأخر، والمتعلم بيد الجاهل، والكبير بيد الصغير، والأستاذ بيد التلميذ، وليعرف كل واحد منها واجباته وحقوقه اتجاه الآخر، وإنه لعجيب وغريب أيها الإخوة والأخوات أن أصبحنا نسمع بظواهر اجتماعية مؤرقة غير مسبوقة ظهرت في مؤسساتنا التعليمية المفروض فيها أن تكون قدوة في كل شيء، المفروض فيها أن تعمل على تقديم العلاج لكل داء، لا أن تكون هي سبب الداء، فلا تعجبوا إذن إن سمعتم عن ظاهرة العنف المدرسي الذي أصبحنا نراه ونقرأ عنه حاصلا بين التلميذ ومعلمه أو العكس، أو بين الأطر التعليمية بعضها بعضا، ولا تعجبوا إن سمعتم أو قرأتم عن ظاهرة الاعتداء الجنسي على التلاميذ، أو ظاهرة تعاطي المخدرات في الأوساط المدرسية، وغيرها، وهي كلها ظواهر تنم عن واقع مر مرير يعيشه الواقع التعليمي في مجتمعنا، ولم تظهر هذه الظواهر حتى غفلنا عن أداء واجبنا والأدوار الحقيقية والمسؤولية المنوطة بكل واحد منا اتجاه فلذات أكبادنا.
أيها الإخوة الكرام، إن الحكمة الإلهية شاءت أن يعلم العالم الجاهل، ويرشد المهتدي الضال، وبهذا يستقيم أمر هذه الحياة التي نعيشها، ومن هنا كان التعليم أشرف عمل في هذا الوجود، يقول الله تعالى في محكم كتابه: (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما)، فذكر الله التعليم منسوبا إليه في معرض الامتنان على خلقه بالفضل الجليل، والخير الكثير،
والتعليم هو وظيفة الأنبياء والرسل الأعلام وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول: “إنما بعثت معلما”، كما كان أتباع عيسى عليه السلام يجعلون من أوائل ألقابه التي ينعتونه بها لقب المعلم، وإن أفضل المراتب وأجلها في الإسلام هي أن يتعلم المرء علما ويعمل به ويعلمه غيره لقوله صلى الله عليه وسلم: “خيركم من تعلم وعلم”،
وفي هذا المقام أحب أن أقص على مسامعكم قصة لخليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك مع العالم الرباني عطاء بن أبي رباح، وعطاء كما مر في الخطبة الماضية كان عبدًا أسودًا لامرأةٍ من مكّة، وكان المسجد فراشَه عشرين سنة، وكان أسودَ أعورَ أفطس أشلَّ أعرجَ ثم عمي، جاء عطاء إلى مكة في أحد مواسم الحج، وجاء إليه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك، وابناهُ، جلسوا إليه وهو يُصلّي، فلمّا صلى انفتل إليهم قليلاً، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحجّ حتى حوَّل جانبه نحوهم قليلاً، ثمّ قال سليمان لابنيه: قوما، فقاما، فقال يا بنيّ لا تَنِيا في طلب العلم، أيْ لا تُقصِّرَا، فإنِّي لا أنسى ذُلَّنا بين يدي هذا العبد الأسْوَد، أمير المؤمنين وابناه يجلسون إلى هذا العبد لِيَتعلّموا منه مناسك الحجّ، وهو لا يبالي بهما.
الخطبة الثانية
أيها الإخوة الكرام، لقد كانت العلاقة بين المعلم والمتعلم فيما مضى من الأزمان والدهور قائمة على الحب والوفاء والتكريم والتوقير، كان المعلم يحسب نفسه والدا لتلميذه، يؤدبه بالحسنى، ويهذبه بالحكمة، ويقسو عليه حينما تجب القسوة لعلاج سلوكه أو رده إلى رشده، ولكنها قسوة من يرحم ويريد الخير لابنه وتلميذه، وقد اتجه علماء التربية وعلم النفس حديثا إلى الأخذ بهذا العلاج وقالوا: إن بعض الأطفال كالوحوش الصغيرة تسيطر عليهم نزوات وتسيرهم نزغات ونزعات، فلا بد من تقليم أظافرهم وقمعهم بشيء من الشدة، وتقويمهم بالنظرة أو الكلمة أو اللكزة، ولله در من قال:
قسا ليزدجروا ومن يك حازما ** فليقس أحيانا على من يرحم.
أما المتعلم فهو ابن بار مطيع، يرى في إجلاله لمعلمه وأستاذه مظهرا من مظاهر الأدب وحسن الخلق والاعتراف بالجميل لمن أسدى الخير إليه، وكان التلميذ يعتبر نفسه عجينة بين يدي أستاذه المحب له، الحريص على تربيته وتعليمه يشكلها ويصوغها كما يرى بثاقب عقله وسعة نظره وغزارة علمه، وكان الطالب يحافظ على وفائه لأستاذه حتى بعد تخرجه أو انقطاعه عن المدرسة أو بلوغه مرتبة ملحوظة في الحياة، فهو يظل يذكر مدرسه بالخير ويفرح لقدومه عليه أو للقائه عند غيره، ويجل محضره ومجلسه، ولا ينسى سابق فضله عليه، مما يجعله يتأدب أمامه ويستحيي منه، ويزوره إذا نأى عنه إن تيسر له ذلك، ويتودد إليه،
وحينما نسأل تاريخنا الإسلامي عن علاقة المتعلم بالمعلم، نجده عاطرا يفيض بقصص الوفاء والحب المتبادل بينهما، مليئا بمواقف التمجيد والتبجيل الذي يربط بين العالم والمتعلم، فهذا الخليفة المأمون العباسي يحضر المعلم النحوي الشيخ الفراء ليعلم ولديه علوم العربية، وذات يوم أراد الفراء أن يقوم من درسه، فتسابق الولدان الأميران إلى أخذ حذائه ليقدماه إليه، وتنازعا على ذلك لحظة، ثم اتفقا على أن يحمل كل منهما من الحذاء واحدة، وعلم الخليفة الوالد بالقصة فتأثر منها بالغ التأثر وأعجب بها أيما إعجاب، والتقى بالفراء فسأله: من أعز الناس؟ فأجاب المعلم لا أعرف أحدا أعز من أمير المؤمنين، فقال المأمون: بل أعز الناس من إذا نهض، تقاتل على تقديم نعله إليه وليا عهد أمير المسلمين حتى يرضى كل واحد منهما أن يقدم له فردا، فقال الفراء: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما من ذلك، ولكني خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها، أو أكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها،
وقال الربيع صاحب الشافعي: “ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له”، وقال سيدنا علي بن أبي طالب: “من حق المعلم عليك أن تسلم على الناس عامة، وتخصه دونهم بتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن قال فلان خلافا لقوله، ولا تغتابن عنده أحدا ولا تسارَّ في مجلسه ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلج عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته، وأن يغتنم أوقات نشاطه، ومن آدابه أن يتحمل جفوة الشيخ وسوء خلقه ولا يصده ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم
الدعاء.