المحن والصعوبات التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة

المحن والصعوبات التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة

الدكتور مولاي عبد المغيث بصير

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، وأحثكم على ذكره.

أما بعد، فيا عباد الله، متابعة للحدث العظيم الذي هل على ديار الإسلام قبل أيام، حدث الهجرة الشريفة، سأتوقف عند المحن والصعوبات التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام في مكة، وكانت سببا في هجرته والانتقال إلى موطنه الجديد، المدينة المنورة، وذلك لتطلعوا على الظروف الشاقة التي واجهها نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام ومن معه من الصحابة الكرام رضي الله عنهم بصبر ومصابرة وكبير تضحية، ولتعلموا بأن هذا الدين الذي آمنا به ووصل إلينا بيسر وسهولة، قاسى من أجله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أهل القرن الأول محنا متعددة، تنوعت بتنوع الوسائل والأساليب التي نهجها كفار قريش في محاربته ومعاداة دعوته ومن كان معه.

ابتدأ ذلك عندما رأت قريش أن أثر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن محدوداً كما كان الحال مع من دعا إلى نبذ الأصنام قبله، فقامت في وجهه وفي وجه من تبعه، وأخذت تمارس شتى أساليب ووسائل الترغيب والترهيب لصدهم عن هذا الطريق الذي هدد مصالحهم التي يجنونها من وجود الحرم في أرضهم.

كان أول أسلوب لجؤوا إليه هو محاولة التأثير على عمه أبي طالب حتى يكفه عن الدعوة، أو تجريده من جواره – أي حمايته -، فقد ذهبت مجموعة من أشرافهم إلى عمه أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا…فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه. ثم لجؤوا بعد ذلك إلى أسلوب التهديد بمنازلة الرسول صلى الله عليه وسلم وعمه أبي طالب، حيث إنه لما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، غضبت منه قريش وعادوه وحقدوا عليه، فمشوا إلى عمه مرة أخرى وأقسموا بأنهم لن يصبروا على أفعاله حتى يكفه عنهم أو ينازلوه وإياه.

ومن المحن التي واجهها صلى الله عليه وسلم أيضا اتهامه باتهامات باطلة لصد الناس عنه، ومن تلك الاتهامات اتهامه بالجنون، واتهامه بممارسة السحر، والكذب، واتهامه بالإتيان بالأساطير، وقالوا أيضا إن القرآن ليس من عند الله وإنما هو من عند البشر، واتهموا المؤمنين بالضلالة. وكل هذا تؤيده العديد من الآيات القرآنية. ولكم أن تتصوروا حجم هذه التهم، تخيلوا إذا اتهم أحدنا بتهمة واحدة من قبل من يعيش معه أو يسكن بحيه أو في جواره، كيف يصبح الواحد منا في هم وحيرة وقلق دائم.

ومن المحن أيضا أسلوب السخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين، فقد روى الإمام البخاري أن أبا جهل قال مستهزئاً: “اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم”، فأنزل الله تعالى الآية، وذكر بعدها: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ “.

نعم عباد الله، لقد نسوا بأن وجود النبي صلى الله عليه وسلم فيهم هو مصدر من مصادر رحمة الله لهم.

ومن الأساليب التي نهجت في معاداة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومن معه أسلوب التشويش، فقد كان المشركون يتواصون بينهم بافتعال ضجة عالية وصياح منكر عندما يقرأ القرآن، حتى لا يصل إلى سمع أحد وقلبه فيؤثر فيه، وفي ذلك قال الله عز وجل:”وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ”.

ثم استمروا في ضغطهم ومعاداتهم فطلبوا أن تكون للرسول معجزات ومزايا ليست عند البشر العاديين، ثم انتقلوا إلى أسلوب المساومة، وقد حاولت قريش من خلال هذا الأسلوب أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، وذلك بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويتنازل النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض ما هو عليه، فقالوا له عندها: اعبد آلهتنا يوماً، ونعبد إلهك يوماً، فأنزل الله تعالى: “قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  لكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”.

ومن الصعوبات التي واجهها سيدنا رسول الله سب القرآن ومنزله ومن جاء به، واتصلت قريش بعد ذلك باليهود للإتيان منهم بأسئلة تعجيزية للرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا أوفدوا نفراً منهم إلى المدينة، ليأتوا من اليهود بأسئلة تعجيزية فيطرحوها على الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت لهم يهود: سلوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين والروح، ولكن الله أبطل كيدهم عندما أنزل قرآنا في شأن الإجابة عن أسئلتهم في سورة الكهف.

وعندما لم تتمر كل المحاولات السابقة، أحبت قريش أن تجرب أسلوب الترغيب، فأرسلت عتبة بن ربيعة الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها: إن كنت تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سوَّدناك – أي جعلناك سيداً – علينا فلا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً – من الجن – تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ.

هذه بعض الظروف الشاقة التي مر بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، أسأل الله أن يجزيهم عن الإسلام والمسلمين خيرا، أمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أما بعد فيا عباد الله، ومن المحن والصعوبات التي واجهها نبينا عليه الصلاة والسلام أسلوب الترهيب، حيث كان أبو جهل إذا سمع عن رجل قد أسلم وله شرف فيهم أنَّبه وأخزاه، وقال له: تركت دين أبيك وهو خير منك ! لنسفهن حلمك ولنضعفن رأيك ولنضعن شرفك وإن كان تاجراً قال له: لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به.

ومن المحن التي عاشها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، مواجهة أسلوب الاعتداء الجسدي والتصفية الجسدية، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ. قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ. قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: “أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى. عَبْدًا إِذَا صَلَّى. أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى. أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى. أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى”، يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ:”أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى. كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ. نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ. فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ. كَلاَّ لاتُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ”.

وفي السياق نفسه، ومن المحن التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه محنة المقاطعة العامة، وذلك في شعب أبي طالب، وهي محنة عظيمة حوصر خلالها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شعب الجبال السنين ذوات العدد، فكان المحاصرون يقاسون الجوع والحرمان في كثير من الأيام أثناء الحصار. ولقد بلغ الجوع والحرمان حداً جعلهم يأكلون الأعشاب وأوراق الأشجار وكل ما يقع تحت أيديهم من نبات الأرض..

ختاما إن أعداء الإسلام في كل زمان ومكان لم يكفوا ولن يكفوا عن استخدام كافة الوسائل والأساليب لإطفاء نور الإسلام ومحاربة دين الله ومعاداة من يعتنقه بصدق، وربما يتفننون ويجددون في هذه الأساليب والوسائل، ولكنها لن تخرج في مضمونها وأصلها عن تلكم الأساليب التي مارسها كفار قريش ضد المسلمين المستضعفين بمكة في الزمن الأول. والحمد لله رب العالمين

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *