الراحمون يرحمهم الرحمان
الراحمون يرحمهم الرحمان
الدكتور عبد المغيث بصير
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى وأحثكم على ذكره.
أما بعد فيا عباد الله، يقول الحبيب المصطفى ﷺ فيما رواه الإمام الترمذي وغيره: “الراحمون يرحمهم الرحمان، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، وفي رواية:” ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء”، وفي رواية: “إنما يرحم الله من عباده الرحماء”، وفي رواية:” من لا يرحم لا يرحم”، وهي كلها روايات جد معبرة تبين من يستحق رحمة الله حقا وحقيقة.
عباد الله، إن المتأمل في العديد من الأحداث الاجتماعية التي نعيشها بكثرة في مجتمعنا في هذه الأيام، نجد بأن معاملاتنا لبعضنا البعض تتسم بالخشونة وباستخدام القوة والضرب والجرح والقتل والغضب والشدة والسب والقسوة والعصبية والأنانية والانتقام وعدم التماس الأعذار وإيثار الشح على المواساة، وغيرها، وهي كلها مظاهر لاختفاء خلق الرحمة والعطف والحنان في التعامل بيننا، وبالتالي تعد من تجليات البعد عن الله، وبالجملة البعد عن تعاليم ديننا الحنيف.
وبذلكم فإن أكثر خلق نحتاجه اليوم في التعامل بيننا هو التراحم، فالرحمة والتراحم أجمل شيء في الحياة، لو دخلت قلوبنا وأدخلناها في حياتنا وبيوتنا صلُحت أمورنا كُلّها، وعشنا أسعد حياة وأحلاها.
والتراحم عباد الله هو وصف للمجتمع المسلم، وصف الله به أهل الإيمان كما قال عز وجل:” أشداء على الكفار رحماء بينهم”، قال العلماء في مباحث الرحمة التي ينبغي أن يكون المسلمون عليها: من مقتضياتها أنها ترفع العذاب، وترفع البلاء بجميع أنواعه، فمن أراد أن يحميه الله من جميع الكوارث، ومن جميع الحوادث وأن يصرف عنه تسليط الخلق عليه، عليه أن يتبع كل ذنب بتوبة، وأن يتبع كل ذنب بصدقة، ففي الدعاء المأثور:” ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا”، وقال سيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما :”ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة”، وتأملوا فالمخلوقات كلها لا يسلط على الإنسان شيء منها إلا بذنب فعله، ففي الحديث الذي رواه الطبراني:” ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب، وما يغفر الله أكثر “، معنى اختلج أي تحرك واضطرب- سبحان الله.
والمجتمع المسلم كله يقوم على مشاريع الرحمة التي تحل مشاكله وتلبي حاجاته العامة، يقول النبي ﷺ فيما رواه الإمام مسلم عن النعمان بن بشير:” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”، ما أعظمه من تشبيه، والسؤال الذي يطرح نفسه هل نحن فعلا اليوم مثل الجسد الواحد؟ وهل إذا سمعنا أحدا يشتكي تداعينا لسماع شكواه وتلبية نداه؟
عباد الله، إن من علامات سعادة العبد أن يكون رحيم القلب؛ وعلامة ذلك أن دائرة الرحمة تنتقل منه إلى أهله الذين جعله الله وليا عليهم، فيرحم زوجه وأولاده بأنواع الإحسان الدينية منها والدنيوية، ثم تتسع دائرة الرحمة حتى يرحم الناس أجمعين، ثم يرحم الخلق وراثة لسيدنا محمد ﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فيرحم الجماد ويرحم النبات ويرحم الحيوان، وعلى قدر اتساع دائرة الرحمة تكون وراثتك للحبيب المصطفى ﷺ ويكون قربك منه. فالرحيم أحب الناس إلى الناس، وأقرب الناس إلى قلوب الناس، وهو أحق الناس بالجنة، لأن الجنّة دار الرّحمة لا يدخلها إلّا الرّاحمون.
فمن كان بالدين أعلم، كان بالخلق أرحم، ومن كان للدين أعرف، كان بالخلق ألطف، قال أحد الربانيين: “من أحب أن يلحق بدرجة الأبرار ويتشبه بالأخيار، فَلْيَنوِ كل يوم تطلع فيه الشمس نفع الخلق”.
واعلموا بأن الوصف الذي تتخلقون به مع الخلق يشفع لكم عند الله، فقد غفر الله لبغي سقت كلبا، وغفر الله لرجل رأى كلبا يلهث الثرى من العطش فرق له فسقاه، فإذا كان هذا مع الحيوان، فكيف بالإنسان، وكيف برحمة الضعيف، وإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم، والتفريج عن المكروب والمهموم والمغموم؟
عباد الله، روى الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:” إن رجُلًا لم يعمَلْ خيرًا قطُّ، وكان يُدايِنُ النَّاسَ فيقولُ لرسولِه: خُذْ ما تيسَّر واترُكْ ما تعسَّر وتجاوَزْ لعلَّ اللهَ يتجاوَزُ عنَّا، قال: فلمَّا هلَك قال اللهُ: هل عمِلْتَ خيرًا قطُّ؟ قال: لا.. إلَّا أنَّه كان لي غلامٌ وكُنْتُ أُدايِنُ النَّاسَ، فإذا بعَثْتُه ليتقاضى قُلْتُ له: خُذْ ما تيسَّر واترُكْ ما تعسَّر وتجاوَزْ لعلَّ اللهَ يتجاوَزُ عنَّا. قال اللهُ تعالى: قد تجاوَزْتُ عنك”.
فكونوا لطفاء رحماء مع كل شيء يتنفس، فبقدر الرحمة التي نعطيها للمخلوقات يرحمنا رب الأرض والسموات، والرحماء أولى الناس برحمة الله، أسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمة يغنينا بها عن رحمة من سواه، أمين أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.