الحقوق المشتركة بين المسلمين: حق الطريق (1)

الحقوق المشتركة بين المسلمين: حق الطريق (1)

الأستاذ مولاي يوسف المختار بصير

الحمد لله، الحمد لله ربّ العالمين، أمر بالإحسان والتعاون على البرِّ والتقوى، ونهانا عن الإساءة والأذى، وأشهد أن لا الله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق والهدى، وبين لأمته ما عليها من الحقوق وأمرها ببذل المعروف وكفّ الأذى، حذر أمته من إذاية الناس في طرقاتهم فقال: “من آذى المسلمين في طريقهم وجبت عليه لعنتهم”، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الممتثلين لأوامره، والواقفين عند حدوده، المخاطبين بقوله صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها: قول: لا إله إلا الله ، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون، تعلمون أن الإنسان اجتماعي بطبعه، ولا يمكن أن يعيش بعيدا عن بني جلدته، وهذا يقتضي منه أن يكون حسن المعاشرة مع الناس، مع المسلمين وغير المسلمين، وحسن المعاشرة يقتضي التزام حقوقه واحترام حقوق الآخرين الذي يتعايش معهم، ومن الحقوق المشتركة التي أكد عليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم “حق الطريق”، الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه عنأبي سعيد الخدري (ض) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إياكم والجلوس في الطرقات”، قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه”، قالوا: وما حقه؟ قال: “غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. أيها الإخوة المؤمنون، الطريق هو ما يطرقه الناس ويسلكونه سواءً كان حسياً أو معنوياً، وهذا الحديث بين لنا أن النَّاس شُرَكَاءُ فِي طُرُقِهِمُ الَّتِي يَسِيرُونَ فِيهَا، فَكَانَ لِهذهِ الطّرُقِ حُقُوقا تَحْفَظُ عَلَى النَّاسِ أَخْلاَقَهُمْ، وَتُدِيمُ الأُلْفَةَ وَالمَوَدَّةَ بَيْنَهُمْ،وَلَوْ لَمْ  تكن ملكْالأَحد، وَكَانَتْ ملكا مشَاعًا بَيْنَ النَّاسِ، وَبما أن الجُلُوس فِي الطُّرُقَاتِ مَظنَّةللوُقُوعِ فِي الإِثْمِ، فَكَانَ الأَصْلُ هُوَ النَّهْيَ عَنِ الجُلُوسِ فِيهَا، احْتِرَازًا مِنَ الإِثْمِ، إذا لم يكن هناك بد من الجلوس فيها، رَوَى مُسْلِمٌعَنْ أَبِي طَلْحَةَ الأنصاري (ض) قَالَ: كُنَّا قُعُودًا بِالْأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: “مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ؟اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ”، فَقُلْنَا: إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَاسٍ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ، قَالَ: “إِمَّا لَا فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ الْبَصَرِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَحُسْنُ الْكَلَامِ”. أيها الإخوة المؤمنون، المقصود بالجلوس في الطرقات المنهي عنه في هذه الأحاديث هو طول المكث فيها لغير غرض ولغير حاجة تدعو لذلك، لآن في هذا السلوك ضرر يلحق بالمارين ويؤذي المسلم في إيمانه، لذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم المضطر للجلوس على الطرقات أن يلتزم آدابا تحفظ عليه إيمانه، وقد ذكر النَّبِي في هذا الحديث جملة من الحقوق يجب على منكانَ فِي الطَّرِيقِ أَنْ يُرَاعِيَهَا، فَمِنْهَا: غَضُّ البَصَرِ، لِأَنَّ الطُّرُقَ تَسْلُكُهَا نِسَاءٌ لِحَاجَتِهِنَّ، وَقَدْ تُفْتَحُ أَبْوَابُ بُيُوتٍ أَوْ نَوَافِذُهَا فَيَكْشِفُهَا الجَالِسُ فِي الطَّرِيقِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِفَ بَصَرَهُ، وَلاَ يُطْلِقَهُ فِي حَرِيمِ النَّاسِ وُبُيُوتِهِمْ وَعَوْرَاتِهِمْ، وَلاَ يُؤْذِي مُسْلِمًا يَحْمِلُ فِي يَدِهِ مَتَاعًا لَهُ فَيَرْمُقُهُ بِبَصَرِهِ لِمَعْرِفَةِ مَا مَعَهُ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ سُوءِ الأَدَبِ، وَمِنَ التَّطَفُّلِ عَلَى حُقُوقِ الغَيْرِ، وَمِنْ إِطْلَاقِ البَصَرِ فِيمَا لاَ يَنْبَغِي، مَعَ مَا يُسَبِّبُهُ مِنْ حَرَجٍ وَأَذًى لِأَخِيهِ. كما قال الشاعر: كل الحـوادث مبـدأها النظـر  ** ومعظم النار من مستصغر الشرر ** كم نظرة فتكت في قلب صاحبها  ** فتك السـهام بلا قـوس ولا وتر، وَمِمَّا يُعَارِضُ غَضَّ البَصَرِ فِي الطَّرِيقِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الاطِّلاَعِ عَلَى مَا بِدَاخِلِ سَيَّارَاتِ النَّاسِ مِنْ نِسَاءٍ وَأَطْفَالٍ وَمَتَاعٍ فِي الطُّرُقَاتِ وَعِنْدَ الإِشَارَاتِ وَفِي الزِّحَامِ، وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُنَافِي الأَخْلاَقَ، وَيَقْدَحُ فِي المُرُوءَاتِ، وَيُسَبِّبُ الأَذَى، وَغَضُّ البَصَرِ مَأْمُورٌ بِهِ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: “قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ”، وَالعَبْدُ مَسْؤُولٌ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا أَبْصَرَ؛ “إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا”، ومن حق الطريق أيضا، كَفُّ الأَذَى، وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ أَذًى بِالقَوْلِ أَوِ الفِعْلِ أَوِ الإِشَارَةِ، أو برمي القمامات والزجاج، وبقايا الطعام والفواكه، التي تترك الروائح الكريهة  وتؤذي المارة والجيران، فعن أبي ذر الغفاري(ض) مرفوعا، “عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد”، وعن أبي هريرة(ض) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اتقوا اللاعنين قالوا: وما اللاعنان قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم”، كل هذا من الأمور التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من حق الطريق، وفي زماننا هذا يدخل أذى النَّاسِ بِالسيارات، وَتَرْوِيعُهُمْ بِهَا، وَالاعْتِدَاءُ عَلَى حُقُوقِهِمْ كَمَنْ يَتَجَاوَزُهُمْ وَهُمْ مُنْتَظِمُونَ صَفًّا عِنْدَ إِشَارَةٍ أَوْ فِي زِحَامٍ فَيَحْشُرُهُمْ بِسَيَّارَتِهِ، وَيَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمْ وَيُعَطِّلُهُمْ، فَهَذَا مِنَ الأَذَى، وكذا أَذِيَّةُ النَّاسِ بِاللَّعِبِ فِي طُرُقِهِمْ، وَإِزْعَاجِهِمْ بِالصُّرَاخِ أَوِ الصَّفِيرِ، أَوْ رَفْعِ أَصْوَاتِ المِذْيَاعِ أَوِ الأَشْرِطَةِ بِحَيْثُ تُزْعِجُ المَارَّةَ وَيَصِلُ إِزْعَاجُهَا إِلَى دَاخِلِ البُيُوتِ، فَتُوقِظُ النَّائِمَ، وَتُضْجِرُ المَرِيضَ، وَمِن الناس مَنْ يُغْلِقُ الطَّرِيقَ بِسَيَّارَتِهِ لِلْحَدِيثِ مَعَ آخَرَ، أَوْ لِقضاء بعض مآربه ضاربا بعرض الحائط قبيح جرمه إذ عطل مصالح الآخرين بسوء صنيعه، وما يجلبه عليه فعله من سب الناس له ودعائهم عليه، لآنه تجاوز بفعله حقه واعتدى على الآخرين في حقهم، وقد يتسبب بفعله هذا من تعرض الآخرين للحوادث، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين”، وفي رواية: “مر رجل ببعض شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة”، وفي رواية: “بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له”، جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب. أمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون، عقد أبو حامد الغزاليُّ (ح) فَصْلاً عُنْوَانُهُ: (مُنْكَرَاتُ الشَّوَارِعِ) أَطَالَ فِيهِ فَكَانَ مِمَّا قَالَ: فَمِنَ المُنْكَرَاتِ المُعْتَادَةِ فِيهَا: وَضْعُ الأُسْطُوَانَاتِ، وَبِنَاءُ الدِّكَّاتِ مُتَّصِلَةً بِالأَبْنِيَةِ المَمْلُوكَةِ، وَغَرْسُ الأَشْجَارِ،وَوَضْعُ الخَشَبِ وَأَحْمَالِ الحُبُوبِ وَالأَطْعِمَةِ عَلَى الطُّرُقِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُنْكَرٌ إِنْ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى تَضْيِيقِ الطُّرُقِ وَاسْتِضْرَارِ المَارَّةِ… وَكَذَلِكَ رَبْطُ الدَّوَابِّ عَلَى الطَّرِيقِ بِحَيْثُ يَضِيقُ الطَّرِيقُ، وَيُنَجِّسُ الْمُجْتَازِينَ مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ إِلَّا بِقَدْرِ حَاجَةِ النُّزُولِ وَالرُّكُوبِ، وَهَذَا لِأَنَّ الشَّوَارِعَ مُشْتَرَكَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُخْتَصَّ بِهَا إِلَّا بِقَدْرِ الحَاجَةِ، وَالمَرْعِيُّ هُوَ الحَاجَةُ الَّتِي تُرَادُ الشَّوَارِعُ لِأَجْلِهَا فِي الْعَادَةِ دُونَ سَائِرِ الْحَاجَاتِ، وَمِنْهَا سَوْقُ الدَّوَابِّ وَعَلَيْهَا الشَّوْكُ بِحَيْثُ يُمَزِّقُ ثِيَابَ النَّاس فَذَلِكَ مُنْكَرٌ… وَكَذَلِكَ ذَبْحُ القَصَّابِ إِذَا كَانَ يَذْبَحُ فِي الطَّرِيقِ حِذَاءَ بَابِ الحَانُوتِ وَيُلَوِّثُ الطَّرِيقَ بِالدَّمِ، فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ يُمْنَعُ مِنْهُ… وَكَذَلِكَ طَرْحُ القِمَامَةِ عَلَى جَوَادِّ الطُّرُقِ، وَتَبْدِيدُ قُشُورِ الْبِطِّيخِ، أَوْ رَشُّ الْمَاءِ بِحَيْثُ يُخْشَى مِنْهُ التَّزَلُّقُ وَالتَّعَثُّرُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ المُنْكَرَاتِ، وَكَذَلِكَ إِرْسَالُ المَاءِ مِنَ المَيَازِيبِ المُخْرَجَةِ مِنَ الْحَائِطِ فِي الطَّرِيقِ الضَّيِّقَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَجِّسُ الثِّيَابَ أَوْ يُضَيِّقُ الطَّرِيقَ..وغيرها من الأمور التي ذكرها الغزالي (ح) في كتابه الإحياء منبها بها عما ينبغي للإنسان مراعاته من حقوق الأخرين الخاصة بالطرق، والعجب أننا حين نسافر إلى بعض الدول الغير إسلامية ننبهر بما هم عليه من رعاية هذا الحق، ونلتزم به لكننا سرعان ما نتخلى عنه حين نعود إلى بلداننا، متنكرين إلى تعاليم ديننا، الذي يأمرنا بإماطة كل أنواع الإداية عن طرق الناس من حولنا، .. الدعاء

خطبة الجمعة من مسجد الحسنى عين الشق،الجمعة 2 جمادى الثانية 1440 موافق 8 فبراير 2019        

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *