الإستعداد لإستقبال شهر رمضان -1-

الإستعداد لإستقبال شهر رمضان -1-

الأستاذ مولاي يوسف بصير

الحمد لله، الحمد لله كثيرا، وسبحان الله والحمد لله بكرة وأصيلا، هو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الإسلام لنا دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله للناس كافة بشيرا ونذيرا، وكان للمتقين إماما وبالمؤمنين رؤوفا رحيما، ﷺ وعلى آله وأصحابه والتابعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات، ها هو شهر شعبان قد بلغ المنتصف وزاد، والحمد لله الذي بلغنا هذا الفضل، ونسأله تعالى أن يتقبل أعمالنا ويعطينا سؤلنا، كما أخبرنا بذلك حبيبنا المصطفى ﷺ الذي يقول في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني:  “إن الله عز وجل ينـزل إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثر من شَعْرِ غَنَمِ بنـي كلب، وهي قبيلة فيها غنم كثير”، وفي حديث آخر: “يطلع الله تبارك و تعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن”، وها قد بدأت نفوسنا تهفو وتتطلع إلى استقبال شهر رمضان، وبدأنا نتلقى ونبعث بالرسائل الإلكترونية المبشرة بقدومه، والتوسل إلى الله تعالى لنكون ممن يشهدونه ويغتنمون فرصته بأنواع الفضائل والعبادات، تقربا إلى الله، إنه شهر رمضان المبارك، ومعلوم أن لكل ضيف عزيز استعداد خاص، فمن كرم المضيف أن يكون على أتم استعداد لإستقبال ضيفه، بما يليق ومكانته عنده، وحبيبنا وقدوتنا رسول الله ﷺ كان يستعد لإستقبال شهر رمضان أيما استعداد، يستعد له قبل أن يحل بالأمة، ليس بأنواع المأكولات والمشروبات، والتفنن في قضاء الوقت بالمطبخ والتجول في الأسواق كما نفعله اليوم، بل استعداد سيدنا رسول الله ﷺ كان بأنواع العبادات التي يتقرب بها إلى ربه عز وجل قبل حلول رمضان، منها الإكثار من الصيام، وتلاوة القرآن، لأن العبادة التي فرضها الله في شهر رمضان هي الصيام، وينبغي للمؤمن الجاد أن يستعد لهذه الفريضة قبل أن يدخل فيها، وذلك لأن رمضان يعتبر فرصة سنوية، ومنحة ربانية، يتفضل بها المولى عز وجل كل عام على عباده المجدين المخلصين، فيغفر ذنوبهم، ويقيل عثراتهم، ويقبل توبتهم، فيخرجون من صيامهم لهذا الشهر الفضيل بجائزة تهون دونها ملذات الدنيا بأجمعها، فلا ينبغي لنا معشر المؤمنين والمؤمنات أن يحل رمضان ونحن غير مستعدين له بما يليق به من الطاعة التي فرضها الله فيه، وشعبان كما جاء عند اللغويين سمي بهذا الإسم لأنه يتشعب منه خير كثير، وهو مشتق من الشعب وهو طريق الجبل، فهو طريق الخير، ثم إن شعبان شهر جاء بين شهرين عظيمين، رجب الفرد الحرام، ورمضان، لذا تكثر فيه الغفلة،  فيكون الذي يعبد الله في زمن الغفلة هذا أعظم أجراً من غيره، وقد صح عن سيدنا أسامة بن زيد أن رسول ﷺ قال عن شعبان: “ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”، لذا كان ﷺ أكثر صياما في شعبان منه في غيره من سائر شهور السنة، أيها الإخوة المؤمنون، النصوص الدالة على فضيلة الطاعة زمن الغفلة كثيرة متوافرة وحسبنا قوله عليه الصلاة والسلام: “ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله، فرجل أتى قوماً فسألهم بالله عز وجل ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلفه رجل بأعقابهم، فأعطاه سراً، لا يعلم بعطيته إلا الله عز وجل والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم، حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به، نزلوا فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملقني ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا، فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له”، أيها الإخوة المسارعون للخيرات، اعلموا أن في حياء الوقت المغفول عنه فوائد: منها أنه يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، ومنها أنه أشق على النفوس لقلة من يتنبه لقيمته، ومنها أن المنفرد بالطاعة من أهل المعاصي والغفلة قد يدفع البلاء عن الناس، فكأنه يحميهم ويدفع عنهم، وهكذا أيها الإخوة المؤمنون، يكون العابد المجد في شهر شعبان قد حاز فضيلتين: حسن الاستعداد لرمضان، والذكر زمن الغفلة. فاللهم وفقنا للعمل الصالح في شهر شعبان وبلغنا رمضان، ووفقنا فيه للقيام وتلاوة القرآن، ويسر لنا صيامه وقيامه، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 الخطبة الثانية

أما بعد، أيها الإخوة المؤمنون، أتدرون لم كان للعبادة في شعبان فضل على غيرها؟ لأنه مقدمة لرمضان، فاكتسب فضلا من هذه الجهة، والعلماء يقولون: إن لكل عبادة مفروضة مقدمة ومؤخرة، فالتقدمة يستعد بها لها، والمؤخرة يرقع بها ما حصل في العبادة من خروق، وإن مما ينبغي للمسلم فعله والتهيؤ به قبل حلول شهر الصيام، التوبة إلى الله، وتفريغ النفس من الشواغل والملهيات، لتستقبل رمضان وهي متهيّئة للصيام، بعيدة عن الشواغل وملذات الدنيا، مقبلة على الآخرة، ولقد فهم سلفنا الصالح  رضوان الله تعالى عليهم ذلك فكانوا يتهيؤون لرمضان بأنواع الطاعات والقربات، روى سيدنا عبد الله ابن عمرَ (ض) أنّ رجلاً جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الناسِ أحبّ إلى الله؟ وأيّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟ فقال رسولُ الله ﷺ: “أحبُّ الناسِ إلى الله تعالى أنفعُهم للنّاس، وأحبّ الأعمال إلى الله سرورٌ يدخِله إلى مسلمٍ، أو يكشِف عنه كربةً، أو تقضِي عنه دينًا، أو تطرُد عنه جوعًا، ولأن أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ أحبّ إليّ مِن أن أعتكِفَ في هذا المسجد شهرًا، يعني المسجدَ النبوي بالمدينة، ومن كفَّ غضبَه سترَ الله عورته، ومن كظمَ غيظَه، ولو شاء أن يمضيَه أمضاه، ملأَ الله قلبَه رجاءً يومَ القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى تتهيّأ له، أثبتَ الله قدمَه يوم تزول الأقدام، وإنَّ سوءَ الخلُق، ليفسِد الدّين كما يفسِد الخلُّ العسل”. ولنا بحول الله عودة لموضوع كيف نستقبل ونستعد لإستقبال شهر رمضان خلال الجمع المقبلة، الدعاء.

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *